• وليد الرجبان

الوقت: ما بين العلم والفلسفة


لوحة ثبات الذاكرة - سلفادور دالي
لوحة ثبات الذاكرة - سلفادور دالي

في مطلع رواية البطء للكاتب التشيكي ميلان كونديرا، يحاول الزوج ميلان الإجابة على حيرة زوجته فيرا من أمر جنون السائقين على طرقات باريس "إن الممتطي لدرَّاجته النَّارية لا يمكن أن يركِّز إلا على الثانية الزَّمنية لانطلاقه، مُتشبِّثًا بومضةٍ من الزَّمن مفصولة عن الماضي والمستقبل، مُنْـتَـزَعًا من اتِّصال الزَّمن، يكون خارج الزَّمن، أو بعبارةٍ أخرى تتلبسَّه حالة من النَّشوة، فيها ينسى كلَّ شيء عن عمره وزوجته وأبنائه وهمومه. بانطلاقه، يكفُّ عن الخوف، لأنَّ في المستقبل يكمن مصدر الخوف، ومن تحرَّر من المستقبل، لا يبقى لديه ما يخشاه."

الوقـت، أحـد المصطلحات التي تُعَرَّف بها لحظاتنا، تاريخ إنسانيَّتنا ومستقبلها. نستعين به في محاولتنا لعيش حياة مُتَّزِنَة، وتستخدمه الشَّركات كدعاية لـ"عيش اللَّحظة" طُعْمًا للمستهلكين، وبعض الحكومات لمحاولة ملء أوقات الخاضعين لها، والأديان لأعيادها أو لتنظيم حياة العابدين. مع هذا، إلى هذه اللحظة، استحال على العلم وفروعه تعريفه، وثمَّةَ سجال بين الفلاسفة عن ماهيته. يقول ريتشارد فاينمان «ربمَّا علينا تقبُّل حقيقة أنَّ الوقت من الأمور التَّي قد لا نستطيع تعريفها، وما يهم على أيَّةِ حال، هو أنَّنَا نستطيع حسابه.»


لكن باستحالة معرفة ماهية الوقت، سيستحيل علينا معرفة أمور مرتبطة ارتباطًا تامًّا بالوقت، كالدماغ على سبيل المثال وطريقة تخزينه للذاكرة في قرن آمون (Hippocampus)، وكيف للدِّماغ أن يستشعر ويمثِّل الوقت. هذه الأمثلة وأكثر ما زالت ألغاز لم يجد لها علماء الأعصاب أيَّةِ إجابة. إنَّ تطوُّر المخلوقات الحية ووصولها إلى زمننا هذا حتَّم عليها التَّأقلم على تعاقب اللَّيل والنَّهار، وبرمجة سلوكها بناءً على ذلك في الاصطياد والتزاوج وغيره.


لحسن الحظ، الوقت ليس بالأمر الذي يفرض سلطته على هذه المخلوقات بقوَّة كالأمور الحسيَّة: الاتجاهات عن طريق البصر، ودرجة الحرارة من خلال المستشعرات. ولا أعلم إن كانت هنالك كائنات قد انقرضت (عاشت على سطح الأرض وليس في قاع المحيطات) بسبب فشلها في التَّرجمة العصبيَّة للوقت، لكنَّها نقطة تثير تساؤلي في بعض الأحيان

في الوجود؛ يرى الألماني مارتن هايدغر أنَّ تعريف الوجود مرتبط ارتباطًا كاملًا بالوقت: أيَّ أنَّ الانسان يعلم محدوديَّة وقته في هذه الحياة، ومحدوديَّته هذه مرتبطة باهتمامه اتجاه الأشياء في هذا العالم، وكذلك مرتبطة بوجود هدف يتحقق بالوقت. (أنطولوجيَّة هايدغر معقَّدة وتفاصيله عن الوقت تجدوها في كتاب الوجود والزَّمان).


نعلم الآن من خلال المثالين السَّابقين أنَّهُ بمعرفة الوقت بمفهوم تجريدي وليس فقط كونه طريقة للقياس سيسبِّب ثورة في العالم الفكري وفي جميع المجالات وليس فقط في علم الأعصاب والفلسفة. لكن لنأخذ خطوة إلى الخلف وأقول لكم بأنَّ لكلٍّ من الفيزياء، وعلم الأعصاب، والفلسفة تفسيره ومذهبه الخاص بالوقت، والاصطدام واضح بين أول اثنين، بينما انسحب الفلاسفة عمومًا إلى الفلسفة الميتافيزقية (والبعض إلى الأنطولوجيَّة والإيبستمولوجيَّة)، واعتزل البعض الحديث أكثر عن الوقت مثل ايمانويل كانط، نظرًا لتناقض مفهوم الوقت مع بدايته.





تاريخ موجز للزمان - ستيفن هوكينغ
تاريخ موجز للزمان - ستيفن هوكينغ




في الفيزياء، يستفتح لنا ستيفن هاوكنج في مطلع كتابه تاريخ موجز للزَّمن بفكرة جميلة جِدًّا عن بداية الوقت، وهو أن الوقت بدأ مع الانفجار العظيم وذلك بسبب أنَّ ما حدث قبل أن يكون الكون في متناهى الصِّغر وغير متناهي الكثافة ليس بالحدث المهم كما يرى هاوكنج نظرًا لإنعدام تأثيره. يؤمن كلٍّ من ستيفن هاوكنج، ريتشارد فاينمان وآينشتاين بمذهب الأبدية فيما يتعلق بالوقت، أي أنَّ ما قد حدث في الماضي، وما يحدث الآن في الحاضر، وما سيحدث في المستقبل حقيقية متساوية. ولهذا نجد أفلام السينما والروايات تستعين بهذا الرُّكن لدعم نظرية السَّفر عبر الزَّمن. كما يقول الفيزياء الكثير عن الوقت، أكثر ممَّا أعلم ولكن أبعد عن نطاق حديثي هنا.











لدي مشكلتين هنا مع مفهوم الوقت الفيزيائي، فهي أوَّلًا تنفي الإرادة الحرَّة للمرء، والثَّانية بأنَّ القفزات القادمة لعلم الفيزياء ستتوقُّع تَصَرُّفات الكائن البشري بدقة.

بخصوص نتائج نفي الإرادة الحرَّة، فلن يكون هنالك معنى لوجود الخير والشَّر والتي تعتبر ركن من أركان الفلسفة الدِّينيَّة. وإن تحدَّثت خارج الفلسفة الدِّينيَّة، ورأينا مثل ما رأى نيتشه ما وراء الخير والشَّر عمومًا، سنأتي إلى المسألة الأخلاقية المتعلقة بالمسؤولية تجاه أنفسنا (والتي يُطالب بها نيتشه) التي سيكون الشَّك فيها بعيداً عن المنطق، سيكون كذلك الشَّك في الإرادة الحرَّة بعيدًا عن المنطق. وإني أرى نيتشه يتقلب في قبره امتعاضًا لما كتبت.


وفيما يتعلَّق بتوقُّع تصرُّفات البشر، تستطيع الرِّياضيَّات توقع الوظائف الفسيولوجيَّة الغير معقَّدة للكائنات، من ناحية وظائف الخلايا وغيرها، لكن عندما يأتي الأمر إلى العقل البشري والوظائف العلويَّة مثل المشاعر، والأفكار وغيرها لاحتوائها على المبادئ، فمن المستحيل تصُّورها رياضيًّا، على الأقل حتَّى الآن.


في علم الأعصاب، يستنكر معتنقي هذا العلم فكرة الأبدية لأنَّ ذلك يعني أنَّ مرور الوقت ليس سوى وهم من المخ، والمثير هنا أنَّ مرور الوقت سيكون من أكثر التجارب الشَّخصيَّة (غير موضوعيَّة/Subjective) التي نشعر بها جميعًا. لكن الوقت ليس مطلقًا، كما كان يعتقد إسحاق نيوتن، والحديث عن نسبيَّته قد انتهى منذ ورقة آينشتاين في عام 1905، ودائمًا ما أحب أن استمتع بفكرة تفاوت تجاربنا في استشعار الوقت إن كان بسبب اختلاف إفراز الهرمونات في المخ، أم أنَّ هنالك أمرٌ أعمق من مجرَّد سرعة انتقال الإشارات في المخ.


على أيِّة حال، يعتنق علماء الأعصاب والنَّفس مذهب اللحظية، والتي تُعتبر سخيفة تحت مجهر الفلسفة والفيزياء. اللحظية تقول أنَّ لا شيء حقيقي سوى هذهِ اللحظة، ومن نظرة تطَوُّريَّة، لم تكن الذَّاكرة موجودة لدى الحيوانات إلَّا للتعلُّم من الماضي وتنبؤ المستقبل أخطاره لكن يبدو أنَّنا أسأنا استعمالها إذ نحِنُّ إلى الماضي ونغنِّي له، ونستعيذ من المستقبل ونخشاه أكثر من الَّلازم. وعزائنا هنا في الفنون، فهي كما اعتقد أنَّها وليدة لهذه التصوُّرات منذ أن بدأ رجل الكهف رسوماته على جدرانه.

سيكون الرَّد على هذه الفكرة عندما نستعرض الآن الآراء الفلسفيَّة حول الوقت. قسَّم جون مكتاغرت، في محاولته لنفي وجود الوقت من الأساس، الوقائع التي تحدث في الوقت إلى قسمين:


أوَّلًا- التَّسَلسُل أ (A-Series):

وهذه مقسَّمة إلى الماضي، الحاضر، والمستقبل. هذا التَّسَلسُل هو الَّذي يتبعه علماء الأعصاب وعلماء النَّفس في منهج اللحظيَّة على ذِمَّة دين بونومانو في كتابه Your Brain is a Time Machine. وهذا التَّسَلسُل يحتوي على مشكلتين: إن كان هنالك واقعة في الحاضر، فهي ليست بالماضِ وليست بالمستقبل، أيَّ أنَّ الخصائص ليست متوافقة مع بعضها. المشكلة الثَّانية والأهم، أنَّ أيَّ حدث في نطاق الوقت يجب أن يحتوي على الخصائص الثلاثة (ماضٍ وحاضر ومستقبل)؛ أيْ أنَّ أيُّةُ واقعة في الحاضر كانت في المستقبل وستكون في الماضي، ومن دون فحص لهذه العبارة، لا يوجد أيَّة مشكلة. لكن دعونا نتعمَّق أكثر قليلًا:


1. هنالك حدث (س) يقع الآن في الحاضر، كان مستقبلًا، وسيكون ماضيًا.

2. لنستطيع القول (س) سيكون ماضيًا سنقول أن بعد وقت مستقبلي (ت) سيكون (س) ماضيًا.

3. لكن، بما أنَّ (س) يقع الآن في الحاضر، لا يوجد وقت في الماضي يكون فيه (س) ماضيًا.

4. لكن، الوقت المستقبلي (ت) سيكون ماضيًا، وفي ذلك الوقت سيكون (س) ماضيًا.

5. هنالك تناقض ما بين 3 و 4 لا يكون فيه (س) حاضرًا وماضيًا في نفس الوقت.

ثانيًا- التَّسَلسُل ب (B-Series):

وهنا تكون العلاقة بين الأحداث نسبيَّة أو علائقيَّة إن صح تعبيري (relationist) لأحداث أخرى؛ أي الحدث (س) كان قبل كذا، أو مُزَامِنًا لكذا، أو بعد كذا. ونرى هنا أنَّ العلاقة دائمة، فلن نرى الحدث (س) بعد عام 2050 وقبل 1920 ويحدث الآن في 2021، وهنا يرى مكتاغرت عدم وجود أيَّة تغيير زماني في الأحداث، ويعتقد بأنَّه لا يوجد تغيير في الحقائق، وأنَّ الوقت ليس سوى وهم إذا لم يكن هنالك تغيير.


يقول مكتاغرت أيضًا أن الطريقة الوحيدة لإثبات وجود الوقت هي عن طريق الـ A-Series، لكن بما أنَّها تُناقِض نفسها، فالوقت ليس حقيقي. لكن هنالك عدَّة أخطاء في فرضيته، أهمُّها كما أعتقد بأنَّه عرَّف الوقت بإلزامية حدوث واقعة أو تغيير زماني (temporal change) ليكون الوقت موجودًا من الأساس. وإن قال ستيف هوكنج أنَّ الوقت بدأ بابتداء أوَّل حدثٍ كوني (الإنفجار العظيم) فهذا لا يعني أنَّ الوقت يجب أن يكون مرتبطًا بتغيير أو حدث، فهنالك رفاهية في فكرة أنَّ وجود الوقت لا يُلزِم حدوث تغيير أو واقعة.


الخطأ الآخر، هو رأيه بأنَّ التسلسل ب لا يُثبت وجود الوقت، بزعم أنَّه يجبُ علينا أن نمثِّل العالم المتغيِّر (في حالة وجود الوقت) عن طريق حقائق ثابتة، والفيزياء والرياضيَّات وصفا لنا الكون المتغيِّر بحقائق ثابتة. لهذا يستنجد أهل الفيزياء بالتسلسل ب لدعم فرضيَّة الأبدية (وليس العكس). أما الفلاسفة، فهنالك الكثير من يدعم التسلسل ب ويُطلَق عليهم المنظِّرون ب.


اهتمامي بالوقت ليس سوى ردَّة فعل على معرفتي لمحدوديَّة زمني، فكما يقول سورين كيركيجارد ومارتن هايدغر بأنَّنا نكون أكثر حريَّة عند معرفتنا بمحدوديَّة وقتنا، فعندما أفكِّر بأنَّ الوقت ليس حقيقيًّا وأنَّه مُجرَّد وهم فهذا يعني أنَّني خسرت الفكرة بالإرادة الحرَّة، ولن أستطيع حتَّى إيجاد معنى في هذه الحياة، وإن اِتَّبعت الفرنسي آلبر كامو في محاولة لإيجاد معنى ما في هذه العبثيَّة.


وأما ما يتعلق بمصطلح "عِش اللَّحظة" الذي يصرخ به أتباع ما بعد الحداثة وتستعمله الشَّرِكات الدِّعائيَّة، ليس إلا تفسيراً خاطئًا لهذه العبارة؛ فحقيقة عيش الَّلحظة هي عندما يكون الإنسان في وعي تام للماضي السَّحيق الَّذي أوصله إلى هذه النُّقطة، والمستقبل البعيد بكافة احتمالاته ومخاوفه، ففي هذه اللحظة تكمن الحريَّة الحق، فالـ «الحريَّة هي سراب القلق».




المصادر:

  • رواية البُطء لـ ميلان كونديرا، ترجمة خالد بلقاسم.

  • تاريخ موجز للزمن، لـ ستيفن هوكنج.

  • Your Brain is a Time Machine by Dean Bunomano

  • Just the Arguments by Michael Bruce and Steven Barbone