top of page

بوصلة المتلقي: بين الفن والأيديولوجيا

  • Writer: هند الحسن
    هند الحسن
  • Sep 11
  • 4 min read

Updated: Sep 15


في كل عمل إبداعي غالبًا ما يركز الحديث على موضوعين: صنعة الفن، ورؤية المبدع، لكن ثمة طرف ثالث لا يقل أهمية: المتلقي، بما يحمله من وعي، وذائقة، وموقف. فالمتلقي ليس مجرد مستهلك خامل للصورة أو الحكاية، بل شريك فاعل في إنتاج المعنى يحمل مسؤولية نقدية وإبداعية. يطرح شايع الوقيان في كتابه الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا سؤالا محوريًا: "هل للمتلقي أو القارئ الحق في أن يعبر عن شعوره؟ ليجيب: "أجل، له الحق في الكلام والتعبير. فإذا ما استطاع أن يُعبر بلغة الفرادى، فإنه يصبح فنانًا ويصبح تعبيره نصًا جديدًا متولدًا من نصِ آخر. وهذا التولد يضمر نوعًا من الانفصال الذي هو تعبير عن اختلاف الوجود".

إشكالية الفصل: هل يُمكن عزل الفن عن أيديولوجيا مبدعه؟

في هذا التقاطع الملتبس بين الإبداع والضمير تصبح بوصلة المتلقي أكثر من مجرد ذائقة؛ هي مسؤولية. فالذائقة التي تُصقل بالوعي تتحوّل من استجابة عاطفية إلى فعل نقدي قادر على مقاومة من يُحاول الوصاية عليها أو توجيهها وفق أهواء معينة، ولا يمكننا النظر إلى العمل الفني بصفتهِ كيان معزول عن وعي مبدعه أو عن سياقه الثقافي والتاريخي، تمامًا كما لا يمكن للمتلقي أن يظل في موقع المتفرج المحايد! وهنا نشير إلى مقاربة نقدية في نقطتين:


الأولى: تثير فكرة النظر إلى العمل الفني بمعزل عن أفكار وأيديولوجيا مبدعه قدرًا من الالتباس، فكثيرًا ما تُستخدم هذه العبارة لإضفاء طابع محايد على العمل أو لتبرير التماهي معه دون مساءلة لمضمونه أو امتداداته الفكرية. لكن الحقيقة أن استقلال العمل الفني عن صاحبه أمر يصعُب تحقيقه؛ فالأفكار المُحركة للعمل والأيديولوجيا الكامنة خلفهِ تُشكل جزءًا أصيلًا من بنيته. أما الثانية: فيُمكن القول إن المسافة النسبية بين المتلقي والمبدع تنشأ في الأعمال المنتمية إلى عوالم مُتخيلة محض (كالفنتازيا أو الخيال العلمي) لا يتصل فيها الإبداع اتصالًا مباشرًا بواقعِ سياسي أو اجتماعي راهن، غير أن هذهِ المسافة تتلاشى حين يتناول العمل قضية مركزية وملموسة، فعند تسخير المبدع أدواته الفنية لإيصال رؤية محددة، يُصبح عمله رسالة موجهة إلى وعي المتلقي، ولا يعود بريئًا أو محايدًا. هكذا، يظل الفن محفوفًا بافتراضات ورؤى قد تُجمّل الواقع أو تزيّفه، تفضح القبح أو تُعيد إنتاجه بطلاء جمالي!


السينما : درسان من نولان وسكورسيزي


بوستر فيلم أوبنهايمر، 2023

تمويه الأخلاق:

في السينما يكون الباب مواربًا بعض الشيء حيال مسألة الفصل بين الإبداع والأيديولوجيا، لكن ثمة أعمال تجعل هذا الفصل شبه مستحيل؛ على سبيل المثال، فيلم أوبنهايمر لكريستوفر نولان الذي يُعالج قصة تطوير السلاح النووي في الحرب العالمية الثانية عبر شخصية العالِم أوبنهايمر، إذ نرى مُنذ البداية كيف ينزلق الفيلم لمنطقة رمادية يُحاول المخرج فيها التمويه على الصراع الأخلاقي بين الطموح العلمي والمسؤولية الإنسانية. إنه يقدم أوبنهايمر بوصفه عبقريًا مأخوذًا بحلمه العلمي مبررًا ضمنيًا –عبر استخدام تقنيات المونتاج المتداخل، والاسترجاع الزمني المتكرر، وتوظيف الشخصيات الثانوية مرايا للضمير الجماعي– الكارثة التي ساهم في صناعتها ليوجه بوصلة المشاهد نحو التعاطف مع شخصية ساهمت عن وعي أو جهل بإطلاق دمار لا يزال أثره قائمًا حتى اليوم! ولعل أوضح مثال على هذا الالتباس الأخلاقي يظهر في المشهد نقاش العلماء حول أي مدينة ستُلقى عليها القنبلة، قبل أن يُستثنى موقع قضى فيه أحدهم شهر عسله! هُنا يتجلى انحطاط الضمير: لحظة تُقرر فيها الحياة والموت بمزاج شخصي لا بمعيار إنساني. بل إن الذروة الدرامية التي سعى نولان إلى تشييدها تتجسد حين يستيقظ ضمير أوبنهايمر متأخرًا، ليكتشف أنه لم يكن سوى بيدقٍ جرى التخلص منه بعد أداء مهمته. هذه الذروة بدت أقرب إلى محاولة لتجميل الجريمة لا لمواجهتها؛ فالفيلم يتعاطف مع أوبنهايمر حين يتخلى عنه النظام، لكنه لا يُحاكمه حين كان جزءًا في بنائه. هكذا يتحول الذنب إلى عرض بصري مبهر، يثير الغثيان أكثر منهُ الإعجاب. قد يكون الفيلم بارعًا من الناحية التقنية، لكنه يظل –في جوهره– تبريرًا سينمائيًا لانفصال الضمير عن الفعل، ولإمكانية صناعة البطولة حتى من رماد الضحايا!


بوستر فيلم قتلة زهرة القمر، 2023
بوستر فيلم قتلة زهرة القمر، 2023

مساءلة التاريخ:

بعكس نولان، لا يمنح سكورسيزي بطلهِ أي امتياز درامي، بل يفضحه، ويعرّي هشاشته الأخلاقية في فيلمه قتلة زهرة القمر الذي يُقدم معالجة نقدية لقضية إنسانية تتمثل في إبادة قبيلة الأوساج من السكان الأصليين بولاية أوكلاهوما الأمريكية في عشرينيات القرن العشرين، أي بعد اكتشاف النفط في أراضيهم. لا تقتصر الرواية السينمائية للأحداث على التوثيق، إنما تنخرط في مساءلة جذرية للنظام الاستعماري الذي تأسست عليه الولايات المتحدة، وتُعرّي نظرة الرجل الأبيض إلى السكان الأصليين بوصفهم كائنات حية بلا قيمة وأدواتٍ للاستغلال يُمكن التخلص منها بلا عواقب. موقف سكورسيزي هنا يتجاوز حدود الفن ليصوغ موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا يضع فيّه المشاهد وجهًا لوجه أمام سؤال المصير والعدالة: هل يمكن أن يستقيم ضمير أمة بنيت على دماء الأبرياء؟


إنه عمل يُعيد استنهاض الذاكرة الجمعية، لا للتذكير بما حدث فقط، بل للتأكيد على أنه لم ينتهِ وأن آثاره لا تزال حاضرة في الوعي والواقع. من هنا تتجاوز مواجهة الماضي كونها رفاهية فنية، لتصبح ضرورة وجودية: أكون أو لا أكون. فقد نشأت الولايات المتحدة الأمريكية على سردية استعمارية رسمية حولت مفاهيم الاحتلال والتطهير العرقي إلى مشروع تمديني محكوم بقدرية أخلاقية وإنسانية زائفة، ورُوِّجت لهذه السردية كتب التاريخ، والسينما التقليدية، والخطابات السياسية جُسّد عبرها المستعمر الأبيض بوصفه مخلّصًا، في حين صُور السكان الأصليين كـبرابرة أو كائنات هامشية بلا صوت يُمكن التخلص منها في سبيل قيام الأمة.


"الفن ليس مجرد رسالة اجتماعية مرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والتاريخية في عصر ما؛ لأن في الفن شيئاً ما من عصره وشيئا ما يتجاوز عصره في الوقت ذاته، وفي هذا يقع شيء ما من لغز الفن وسره: تصوير العام في الخاص، أعني تصوير دلالة إنسانية كلية عامة كما تتجلى في لحظة تاريخية معينة" — عالمية الفن وعالمه، سعيد توفيق.

هذا التوازن بين الزمني والكوني يكشف عن طبيعة الفن المعقدة: فهو يحمل بصمة عصره ورؤية مبدعه، لكنه في الوقت ذاته قادر على تجاوز هذه الحدود ليصل إلى معانٍ إنسانية أعمق. وهنا تكمن مسؤولية المتلقي في التمييز بين الفن الذي يُوظف الأيديولوجيا مادةً خام للإبداع، وبين الذي يستخدم الإبداع قناعًا للدعاية. فالفن ليس ترفًا جماليًا، بل ساحة مزدوجة للتأمل والانحياز. والحياد – إن وُجد – ليس إلا تأجيلًا لاتخاذ موقف، وحين تقتصر بوصلة المتلقي على الاستمتاع، يُفتح المجال للتمرير الأيديولوجي الناعم، أما حين تتجه هذهِ البوصلة نحو الوعي الجمالي النقدي، فهي تمنح الفن قيمته الأسمى: أن يكون حيًا، ومفتوحًا، وأصيلاً. ومن هنا لا يعود الفن مجرد إبداع جمالي فحسب، بل يتسع ليشمل تأمله في العالم، وتفكيكه، أو حتى رفضه؛ فهو قادر على أن يُهذب، وأن يُحرّض، وأن يصدم. هو مرآة متعددة الأوجه للوجود الإنساني – بكل ما فيه من نور وظلمة.

 
 
ورشة مخ.png
ورشة مخ.png
ورشة مخ.png

تابعنا:

  • انستغرام
  • يوتيوب
  • تويتر (أكس؟)
  • LinkedIn

نأتي إليكم من الرياض، المملكة العربية السعودية!

كُن على إطلاع

إذا وددت أن تصلك مقالاتنا وأخبار الكُتب والأفلام التي نعمل عليها، ما عليك سوى بتسجيل بريدك لتصلك نشرتنا:

شكرًا على تسجيلك

© 2024  ورشة مخ

bottom of page