• ملاك الراشد

فلسفة 101: ما هي الفلسفة ببساطة؟



The School of Athens Fresco by Raphael

أن تعيشَ حياتك بِكُل تفاصيلها يوميًا؛ أن تُرغم نفسك على الاستيقاظ من نومك في وقتك المُعتاد، ثم تذهب إلى عملك. أو أن تجعل جسدك يستيقظ حينما يشاء، مُهملًا مُنبه الساعة وغياب الشمس وطلوعها. أن تسمع فقط ما تُريد سماعه، وتُحيط نفسك بمن تُريدهم حولك، تاركًا خلفك ما يُعكر مزاجك. أن تبني جدرانًا وهمية لتحميك. أن لا تقرأ إلا ما يعنيك وأن لا تعرف إلا من يُشبهك، أليس هذا كُله حالة من الجمود الفكري؟

هذه الحالة من الجمود الفكري والتعصب لأفكار خاصة تُسمى (الدوغمائية). لكن، الحديث هُنا لن يكون عن هذهِ الحالة، بل عن كيفية هدمها وبناء تفكير حُر وناقد بدلًا عنها، مُستخدمين الفلسفة منهجًا لذلك.

قررنا في ورشة مخ، أن نبدأ مشروعا اسمه (فلسفة 101). مشروع يجعلنا نقرأ كُتب الفلسفة والفلاسفة لِننشر ما تعلمناه بعد ذلك هُنا في مدونة ورشة مخ، ونشرتنا البريدية وحسابنا في الإنستگرام. المشروع هدفه أن نوفر محتوى الفلسفة باللغة العربية وأن نجعلها مفهومة للجميع. الفلسفة كانت ومازالت موضوعًا مفضلًا لنا وهي التي ألهمتنا في أول عمل لنا، لومييغ. لا تخافوا، سنعمل على محتوى مُبسط وذي مصادر معروفة وسنجعله ممتعا وشيقا لكم!

ايش يعني فلسفة؟ و كيف هي مختلفة عن الدراسات الأخرى؟

نستطيع البدء بالقول: أن كلمة "فلسفة" أتت من اللغة اليونانية، ومعناها "حُب الحكمة"، لكن هل يُمكننا القول أن أي شخص لديه حب للحكمة، هو بالمُقابل فيلسوف؟ إذا نظرنا إلى أولئك الذين حصلوا على لقب "فيلسوف" على مر العصور، سنلاحظ أنّهم مفكرون عميقون، ومحبون للخير، وبعضهم الآخر أشرار، وفاسدون، ومتشائمون! ما الذي يربط بينهم؟ و متى نُصنّف الشخص بأنه فيلسوف؟ وأخيرًا، لماذا مفهوم الفلسفة أصبح بهذا الشمول؟!

هذا سيكون أول مدخل لنا في منهج الفلسفة!

منهج أساسيات الفلسفة 101: دراسة دقيقة عن معنى الفلسفة، و معاييرها الخاصة.

خلينا نعرف الفلسفة بمفهومها العام:

“ البحث عن الحقيقة، بِاستعمال المنطق وحده”

إذا نستطيع القول: أن الفلسفة هي رحلة بحث مُستمرة، غايتها الوصول إلى الحقيقة، باستخدام الحجج، والأدلّة المنطقية.

بس ايش هو المنطق، و مَن بدأ فيه؟

قد يكون السجلّ التاريخي الأول لدينا، لِعلم المنطق، موجودا في: كتابِ أرسطو “أورغانون” والتي تعني ”الآلة”، لأن المنطق عند أرسطو هو «آلة العلم»، والوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة. لكن، ما زال هذا التعريف شاملًا جدًا، هل أي شخص يقدّم فكرة عن كيفية عيش الحياة، فيلسوف؟ وهل تندرج كل فكرة منطقية، تحت سياق الفلسفة؟ وما الفرق إذاً بين، أن تكون حكيمًا، أو أن تكون مُفكرًا، أو أن تكون فيلسوفًا؟ والسؤال الأهم مِن هذا كله، ما الغاية من الفلسفة؟

مدخل ١: تعريف الفلسفة من وجهة نظر جيل دولوز، ووضع معايير، لمعنى أن تكون فيلسوفًا، والنظر في تاريخ الفلسفة بدايةً من ولادتها في اليونان، وصولًا إلى معناها المُعاصر في الانترنت.

حتى نستطيع أن نجاوب على هذِه الأسئلة؛ اخترنا كتابا يساعدنا على فهم الفلسفة أكثر، الكتاب اسمه: (ما هي الفلسفة؟) للكاتب والفيلسوف الفرنسي: جيل دولوز (Gilles Deleuze)

كتاب (ماهي الفلسفة) لجيل دولوز

في هذا الكتاب يُقدّم دولوز شرحًا أدق، وأكثر تفصيلًا، فبدايةً: يشرح لنا دولوز، من أين ابتدأت الفلسفة، وما الفرق بين الحكمة، والفلسفة؟

تقريبًا في أغلب الحضارات، كانت المجتمعات تحترم وتنصت إلى الحُكماء، ويوجد تقريبًا في كل ثقافة، وحضارة أسماء كُتبت في التاريخ؛ بسبب حِكمتها. كان لدى الإغريق أيضًا الكثير من الحُكماء، لكنّهم ظنّوا أن الحكيم تتم مُعاملته، وكأنهُ إله، وأنه المصدر الوحيد للحقيقة، ونتيجة لذلك؛ تولّد نموذجٌ آخر للمعرفة، وهو ما نسميه الآن: الفيلسوف.

على عكس الحكيم، الفيلسوف هو: الشخص الباحث عن الحِكمة، الشخص الذي يقترب مِنها، ولكنّه في نهاية المطاف، يعرف أنّهُ لا يستطيع الوصول إليها. فإذا كان الحكيم هو: المصدر الوحيد للحكمة، والمولود بهذه الصفة، فالفيلسوف هو: الشخص الباحث عن الحكمة، لكنّه بالمقابل يعرف أنّه لا يمتلكها!

انولدت الفلسفة ليس لاحتكار الحقيقة، بل؛ من أجل البحث الدائم عنها في شتّى المجالات، والغاية الأساسية مِنها: تحسين، ومعرفة فنّ العيش.

أرسطو مع تلميذه أسكندر الأكبر

الفلاسفة كانوا يتحدثون، ويناقشون (مستخدمين المنطق والحِجج) معنى العدالة، وكيف يمكن تحقيقها؟ هل النظام الديموقراطي عادل، أم النظام اللا سلطوي؟ ما معنى الخير، والشر، وما هو المعيار لهم؟

كانت هذهِ بداية الفلسفة، وولادتها، وبعد ذلك انتشرت العلوم الفلسفية في أرجاء العالم، وتفرعت إلى مدارس كثيرة، ومختلفة، مثل: الفلسفة الوجودية، العدمية، العبثية، والفلسفة الميتافيزيقة، والرواقية… وغيرها الكثير، والكثير! حتى بات تعريف الفلسفة صعب التحديد.



دولوز يُعيد تعريف الفلسفة:


جيل دولوز

“الفلسفة هي فنّ تشكيل، وابتكار، وصنع المفاهيم"

هذا هو تعريف دولوز للفلسفة، ومن هذا المُنطلق نرى أن المفاهيم تحتاج إلى شخص ما؛ ليُشكِلها، ويصنعها.

بالنسبة إلى دولوز، فإنّ هذا الشخص (الفيسلوف) يجب عليه أن يتحلى بما يُسميه "الشخصية المفاهيمية"

“الفيلسوف هو: الصديق المُقرّب للمفهوم، وهو التصوّر الحيّ، لهذا المفهوم”

أي أنّ الفلسفة ليست مجرد فنّ لتشكيل، أو اختراع، أو اختلاق المفاهيم؛ لأن المفاهيم ليست بالضرورة أشكالًا، أو اكتشافات، أو منتجات، الفلسفة أكثر صرامةً من ذلك، فهي: انضباط ينطوي على خلق المفاهيم. ويتابع ديلوز:


"ماذا ستكون قيمة الفيلسوف، طالما لم يخلق مفاهيمه الخاصة؟ “

دعونا نعطي أمثلة، على كل هذا؛ من أجل نفهم أكثر.

دولوز يقول: أن الفيلسوف يجب أن يمتلك:

  • مفاهيمه الخاصة.

  • انضباطا، وصرامة؛ لأن يكون المثال الحيّ لمفاهيمه.

  • التعبير عن هذهِ المفاهيم في شخصه، وكُتبه، وتعليمه.


ويقول أيضًا: أن مصير الفيلسوف هو أن يُصبح هو المفهوم (concept) نفسه، فالفيلسوف الحقيقي يعيش في فلسفته، ومن أجل فلسفته.

وكل فيلسوف يُعبِّر عن، ويرمز إلى مفاهيمه الخاصة، مثل: أفلاطون ونظرية الكهف، نيتشه ومفهوم الإنسان الأعلى، وسارتر والإيمان الخاطئ -هولاء أمثلةٌ على ذلك-

خلونا نستخدم مثال آخر أسهل من هذا:

گاندي! تعرفونه، صحيح؟


غاندي يقود مسيرة الملح الشهيرة عام 1930، و هذه المسيرة كانت مثال بارز لتطبيق مفهوم الساتياگراها.

إحدى فلسفات غاندي تتمثل في: المقاومة بدون استخدام العنف، واسم هذا المفهوم الذي ابتكره هو: الساتياگراها.

ساتياگراها Satyagraha: (بالسنسكريتية: "सत्याग्रह"، ومعناه "الإصرار على الحق" أو "قوة الحق") هي فلسفة تركز على: المقاومة اللاعنفية كوسيلة؛ لتحقيق الإصلاح الاجتماعي، والسياسي ، ابتدعها المهاتما غاندي، وطبقها في جنوب أفريقيا أولاً-1906 م-،ثم في الهند نفسها ابتداءًا من-1917 م-.



گاندي إذاً:

  • ابتكر هذا المفهوم، وأعطاهُ اسمًا.

  • أصرَّ على الاستمرار في مبدأ المقاومة، بالرغم من التهديدات.

  • قضى طيلة حياته مُطبقًا لهذا المفهوم، حتى أصبح هو التصوّر الحيّ، لفلسفة المقاومة السلبية واللا عنف.

وهذا جعله ينجح في تكوين الشخصية المفاهيمية (التي تعيش وفق مفاهيمها)، وانضباطه في تكوين هذه الشخصية، والتفكّر الدائم بها، جعلها فلسفة خاصة!

هل الفلسفة تبحث عن الحقيقة، أم عن الاحتمالات؟

لنجاوب عن هذا السؤال، دعونا نبدأ بإحدى أشهر مُقولات سقراط:

“كُلّ ما أعرفه، والشيء الوحيد المُتيقن منه، هوَ: أني لا أعرف شيئا”

لذا من الأفضل لنا أن نقول أن الفلسفة هي: فنّ التّبحر في اكتشاف الاحتمالات التي وُجدت، والتي لم تُوجد بعد، وأن الفلسفة تُبنى على احترام العلم، وليس على الفائض من العِلم؛ ولذلك من أهم الأنشطة الفلسفية هي: المحاورات، والمُناظرات، ودعوة فيلسوفان، أو أكثر (ذوي مفاهيم مُختلفة عن الأخرى)، وحثّهم على مناقشة مفاهيمهم.

*مثال: أن نحضر مناظرة، بين فيلسوف يتبنّى النظرية الرأسمالية، وآخر النظرية الشيوعية، وجعلهم يتحدثون عن أي نظام اقتصادي، هو الأنفع للبشر، والاقتصاد.

ولهذا فالفلسفة مُهمةٌ جدًا؛ فهي تُعلمنا أن نتواضع أمام العلم الذي نحمله، وأن نبحث دائمًا عن احتمالٍ آخر ومن أفضل ما تُعلمنا إياه هو العيش بوعي، وأن نُصنف الأشياء نُعطيها معنى وتعريفا ودراسة. الفلسفة تهدم، بذلك، الدوغمائية وتُساعدنا بأن نعيش بوعي وإدراك لما تحملهُ ذواتنا وما حولنا. لذلك مشروع (فلسفة ١٠١)، سيكون مشروعًا مستمرًا ودائما.


تابعونا

  • YouTube - White Circle
  • White Instagram Icon
  • Spotify
  • Twitter Clean

للتواصل

© 2017 ورشة مخ

جميع الحقوق محفوظة