• شذى محمد

حرب الخضوع والتمرّد في رواية نساء صغيرات


* المقالة تحتوي على تفاصيل أحداث الرواية.


أحد أشهر روايات أدب الأطفال اليافعين، رواية نساء صغيرات تسرد حكاية أربع أخوات تشرعن في مهمّة تحسين ذاتهن، لجعل كلّا من والدهم ووالدتهم فخورين بهنّ. الأخت الكبرى ميج ومشكلة تعلّقها بالأمور الماديّة، جو وشخصيّتها الصبيانيّة وتذمّرها من الأعمال المنزليّة، آمي وأنانيّتها، أعداء ينبغي على الأخوات أن تحاربهنّ بسلاح التحكّم بالذات. لطالما شعرت الفتيات اليافعات بالانتماء لشخصيّة "جو" تحديدًا، تلك الصبيانيّة، المُحبّة للكتابة، المُتمرّدة، التي تسعى لمُساعدة ودعم أفراد عائلتها بقدر استطاعتها.


في طفولتي، قرأت فقط الجزء الأوّل منها، حيث انتهت باجتماعهم مع عائلة لورنس والسيّد بروك في يوم الميلاد، عودة والدهم التي زادت يومهم بهجة، وترديدهم لترانيم يوم الميلاد سويّةُ مع عزف بيث اللطيف على البيانو... كراشدة دارت في ذهني العديد من التساؤلات فور انتهائي من قراءة النسخة الكاملة للرواية، فقد خابت توقّعاتي كُلّها بمُجرّد اكتشافي لموت بيث، والأكثر أهميّة مصير جو ولوري أيضًا.


علمت أنّي لستُ الوحيدة عندما يتعلّق الأمر بازدراء النهاية.


سأسرد في هذا المقال السياق التاريخيّ \ الثقافي الذي نُشرت خلاله رواية نساء صغيرات، وسنفهم من خلاله سبب اختيار الكاتبة لنهاية تُخيب توقّعات من يقرأ روايتها. ثمّ سأستعرض الأدوار الجندريّة وكيف هدمت أحلام معظم الشخصيّات، والنصيب الأكبر من تركيزنا سيكون من نصيب جو ولوري، وصولًا إلى فكرة وجود تمرّد خفيّ يكمن في تتمّة الرواية.


اختيار أم إجبار؟

لويزا ماي آلكوت
لويزا ماي آلكوت

عُقب الحرب الأهليّة الأمريكيّة (1861-1865)، كان للنساء من كافّة الفئات المجتمعيّة نصيبًا في نشر أعمالهنّ الكتابيّة، سواءً كُنّ أمريكيّات، أمريكيّات من أصول أفريقيّة أو مُهاجرات. بذلك أصبحت مهنة الكتابة مُتاحة لعددٍ كبير من النساء، ولويزا ماي آلكوت وبطلتها جو منهنّ. قامت آلكوت بكتابة نساء صغيرات تحت إلحاح الناشر توماس نايلز، رواية تختلف كلّ الاختلاف عمّا كتبته في مسيرتها السابقة. فقد كتبت قصص خياليّة للأطفال تحت اسمها الخاصّ، وقصص إثارة قوطيّة تحت أسماء مُستعارة؛ لكون كتابة مثل هذه القصص أمرٌ لا يليق بكاتبةٍ أُنثى في القرن التاسع عشر. نايلز أراد أن يكون رائدًا في سوق كتب أدب اليافعين الموجّهة للإناث تحديدًا؛ لهذا أصرّ على آلكوت رغم رفضها المستمرّ.















تقول آلكوت: " لمّ أحبّ البنات ولم أعرف كثيرًا منهنّ، عدا أخواتي"، لهذا لم تكن واثقة من كون ما ستكتبه حقيقيّ إلى حدّ ما.


في الواقع رواية نساء صغيرات مُستوحاة بشكلٍ كبير من حياة آلكوت الشخصيّة، فكانت هي جو، وأختها ماي التي رسمت معظم صور الكتاب تُقابلها الفنّانة آمي، منزلهم في كونكورد، والحرب الأهليّة في الولايات المُتّحدة كبُعد تقع فيه أحداث الرواية، حيث كانت آلكوت تعمل كمُمرّضة آنذاك. بهذا نرى أنّها نجحت في توظيف مشاهد من حياتها ضمن روايتها.


كما يبدو من قراءة مُذكّرات لويزا ماي آلكوت، رفضت لويزا هذا النوع من الكتابة؛ كونه يُجهّز اليافع لدوره المستقبليّ الذي يُحدّده المُجتمع له مُسبقًا، لكن مع قراءة الرواية؛ قد يبدو أنّ آلكوت خضعت للهيكل الروائي المقبول والذي تمّ تحديده من قِبل المجتمع لأيّ عمل يُكتب، والحقيقة أنّها أظهرت خضوعها ومقاومتها بالوقت ذاته، جاعلةً من روايتها دليل ملموس على حربها الذاتيّة الأهليّة ما بين الخضوع للمجتمع، أو التمرّد.


لم يكتفِ الناشر نايلز بجعلها تكتب في نوعٍ لا تُفضّله، بل أصرّ على أن يكون كتابها سلسلة من عدّة كتب، ظنًا منه أنّ سلاسل الكتب تُباع بشكل أفضل.


تقول آلكوت في مُذكّراتها:

"أنا لا أحبّ تتمّة القصص (كتاب آخر يُكمل كتاب سبقه)، ولا أظنّ أن التتمّة ستكون مشهورة كالقصّة الأولى ... لذا على نسائي الصغيرات أن يكبرن ويتزوّجن بأسلوبٍ سخيف".

أيضًا ضغط القرّاء عليها كي تزوّج جو ولوري، لكنّها رفضت قطعًا مؤمنةُ أنّها ليست أسعد النهايات تلك التي تتضمّن زواجًا قائلةُ: "الفتيات يكتبن لي تسألن بمن ستتزوّج النساء الصغيرات، كما لو كان ذلك الهدف الوحيد أو النهاية لحياة أيّ امرأة. لن أزوّج جو ولوري لإسعاد أيّ أحد" وبعد نشر ثانِ جزء من الرواية كتبت: "كان ينبغي لجو أن تبقى أديبة عزباء".


القصّة كان من المُفترض أن تنتهي بيوم الميلاد بعودة والدهنّ قبل أن تتزوّج أيّ منهنّ، لكن تتمّتها كانت سببًا في تخريبها من عدّة جوانب، كتدمير روابط المحبّة الأسريّة بها، العلاقة الجميلة بين الأم وبناتها، علاقة الأخوات، والأهمّ من ذلك صداقة جو ولوري.


الأدوار الجندريّة:

فرنسيس ويليام إدموندز
فرنسيس ويليام إدموندز

يكمن الفرق بين كلمتيّ (Sex) و (Gender) في أنّ الأولى تُشير إلى النوع الحيوي (ذكر\ أنثى)، بينما الثانية تعني الأفكار والاعتقادات المُسبقة التي أُعطيت لكلّ نوع، كالقول بأنّ كلّ امرأة عاطفيّة بالضرورة، فالاختلافات الحيويّة أُعطيت معنًى اجتماعيّ. تقول جوديث لوربير في كتاب (البناء الاجتماعيّ للجنس - The Social Construction of Gender) أنّ الدور الجندري شائع في مُجتمعاتنا لدرجة اعتقادنا بأنّه نتيجة جيناتنا، ككون الأنثى تولد لتكون صبورة، والحقيقة أنّ هذا الدور، كالثقافة، إختراع إنسانيّ دائم التغيّر بناءً على التفاعلات بين البشر.


هذه الحقيقة قد تكون سببًا لفِهمٍ أوسع لرواية نساء صغيرات. فالرواية تبدأ بتلقّيهم رسالة والدهم والذي يقول بها أنّه يتوقّع من بناته التغلّب على رغباتهم بطريقة جميلة ليكون أكثر فخرًا بنسائه الصغيرات عند عودته. رغباتهم، كرغبات أيّ فتاة في القرن التاسع عشر، تتعارض مع تصوير المجتمع لمُستقبلهم، فينبغي مُحاربتها للوصول لنموذج المرأة المثاليّ، كما أسمته جوديث فيترلي في مقالتها النقديّة (حرب آلكوت الأهلية - Alcott's Civil War).


شخصيّات نساء صغيرات تتحدّى النمط السائد للأدوار الجندريّة في الجزء الأوّل من الرواية؛ حيث لوري وملامحه الأنثويّة، ويداه التي تُشبه أيدي البنات لشدّة بياضها، ولعه بالموسيقى، ولقب "دورا". من ناحية أُخرى جوزيفين وصوتها الذي يُجلجل في كلّ مكان، اعتمادها الشديد على ذاتها وكراهيّتها للزواج والحبّ، اتّخاذها لأدوار الرجال في مسرحيّاتها, تعريفها لنفسها على أنّها رجل المنزل في غياب والدهنّ، واختصار اسمها "جو".


تتمّة الرواية تُمثّل تحوّلًا كبيرًا لجميع الشخصيّات، فعلى الجميع أن يخضع للأدوار التي تُحدّدها التوقّعات المُسبقة للمُجتمع، كما سنرى في الفقرة التالية.