تشريح الذاكرة
- هند الحسن

- 2 days ago
- 6 min read
لا يكتفي الفن بأن يُرى، فهو يدفعنا إلى التساؤل حول ذاكرتنا وأجسادنا، وكل ما نظن أننا نعرفه عن أنفسنا. أو كما يقول جورج حنين: «الرؤية هي سرقة هدوء الآخرين». من هنا نحاول فتح الباب ونقترب من عالمين فنيين لامرأتين تفصل بينهما أجيال وسياقات تاريخية متباينة، في مقاربة تأملية تتجاوز محاولة إسقاط إحداهما على الأخرى، لتقترب وتُنصت لما يتردد بينهما من أصداء؛ ففي أعمال عايدة بدر وجويس منصور تتقاطع رؤى الذاكرة والجسد والانتماء، كل منهما بلغتها الخاصة، الألوان والصور الشعرية، بحساسية فنية عالية. كلتاهما لم تولدا في مصر، إلا أن مصر تسري في دمائهما وفي أعمالهما مثل جذر غير مرئي يغذي الذاكرة والروح؛ ما يجعل الهوية سؤالاً مفتوحًا يتشكل في كل لوحة وقصيدة!

الذاكرة تكذب | الشيفون الأخضر وقشر البيض
عند رؤيتنا للوحة فنية، نتعلم من تنسيقها أكثر مما نتعلم من رصد عناصرها وموجوداتها، ومن التمرين البسيط لقراءتها، هذا ما يجعل قراءة لوحة عايدة بدر MEMORY IS AN UNRELIABLE NARRATOR (2022) تجربةً تكشف عن نفسها بطيئًا؛ حيث تصور بدر ذكرى طفولية عن ستائر شيفون خضراء فاتحة أزالتها لتصنع منها بنطالاً، غير أن والدتها تصحح لها: «الستائر كانت بلون قشر البيض!» في هذا التصادم بين ذاكرتين تنكشف طبيعة الذاكرة باعتبارها راويًا غير موثوق يعيد تشكيل المشهد ويبدّل تفاصيله، كمثل مخرج سينمائي يعيد إنتاجه ويغيّر إضاءته وألوانه.
تُصبح الألوان المتضاربة في اللوحة — الأخضر الفاتح في مواجهة لون قشر البيض — أكثر من تقنية بصرية؛ فهي تجسيد لهذا الصراع الداخلي. فأيُّ الذاكرتين أصدق؟ وهل للذاكرة حقيقة أصلًا، أم أن كل استدعاء لها إعادة اختراع؟ ومن خلال التكوين غير المستقر في اللوحة، والأشكال الطفولية المبسطة التي أُعيدت صياغتها بحساسية ناضجة، تُشير عايدة بدر إلى أن الذاكرة تتجاوز كونها أرشيفًا محايدًا وحسب، لتغدو قوة فاعلة تُعيد تشكيل الماضي. في المقابل، تتعامل جويس منصور مع الذاكرة بعنف مختلف في ديوانها (تمزقات، 1955)؛ فهي تعضُّ الذاكرة وتمزِّقها بدل من كتابتها بلطف.

"افتح أبواب الليل
ستجد قلبي معلقًا
في الدولاب الفواح برائحة الحب
معلقًا وسط ثياب الفجر الوردية
وقد التهمه العث والوسخ والسنون
معلقًا بلا ثياب، سلخه الأمل
قلبي ذو الأحلام الغرامية الجامحة
ما يزال حيًا…"
في هذه القصيدة تأخذ الذاكرة هيئة التهام حرفي، وتقطيع، وانسلاخ. ما تفعله منصور هو أنها تمنح الذاكرة جسدًا وأسنانًا… فهي -الذاكرة- وحش صغير يلتهم الماضي والحاضر في آن واحد. ورغم تباين النبرتين، الحالمة القلقة عند بدر والعنيفة الساخرة عند منصور، فإنهما تلتقيان في موقف واحد: رفض النوستالجيا والسلام الزائف، الذاكرة عند كليهما مادة خام للصراع والتشويه وإعادة الاختراع. وفي هذه النقطة يكمن ما هو أعمق؛ فالتذكر فعل إبداعي في جوهره، تسكنه تلك الأكاذيب الضرورية التي تجعل الماضي قابلاً للحياة.
الأمومة: موت وولادة
يقول برنار نويل: «الأشياء هي كلمات الرسام». في معرضها (I'M NEVER COMING BACK, 2025) تصور عايدة بدر تحولها من ابنة إلى أم عبر استعارة بصرية متكررة: الحصان. فهو يظهر أولاً لعبةً هشة، ثم مهرةً مترددة، وأخيرًا شكلاً متحققًا كاملاً يطغى على شبيهة اللعبة! يحمل هذا التحول دلالةً على تغير جذري لا رجعة فيه، يتجاوز أي تصور احتفالي أو رومانسي لبهجة الأمومة. فالعنوان نفسه يحمل دلالات تتخطى التصريح العاطفي: «أنا لن أعود أبدًا»،إنه بيان وجودي. تتجاوز الأمومة عند بدر كونها إضافة إلى ما كان موجودًا، فهي تحول كامل يعيد تشكيل الذات. وكأن الذات القديمة قد ماتت، فيما لا تبدو الجديدة امتدادًا لها أو تطورًا طبيعيًا عنها، فهي كائن آخر تمامًا! ويأتي النص المكتوب بخط اليد، المخترق سطح اللوحة، ليؤكد هذا الانشطار الوجودي. من جهة أخرى، عايشت جويس منصور فقدان أمها في سن الخامسة عشرة إثر إصابتها بالسرطان، ثم فقدت زوجها الأول هنري النجار بعد ستة أشهر فقط من زواجهما، وهي في التاسعة عشرة، بالمرض ذاته. تعاملت مع الفقد بطريقة مشابهة، لكنها أكثر قسوة وعنفًا، فاتجهت إلى الشعر وسيلةً «لإزالة الدم من أحلامها»، فتكتب:
"صبي صغير في قطار
الرعب يمسك بخناقه، بيده،
أمه الميتة تستند على كتفه
تارة يمينًا، تارة يسارًا
تبثه الكلمات الحلوة للميتة المخنوقة
تدفعه إلى الدرب الذي يمر راكضاً
وترشف نَفَسها الأخير..."
الأمومة هنا مفقودة، والخسارة تتحول إلى "كلمات حلوة". وفي الحالتين، الأمومة -بالوجود أو الغياب- هي تحول فيزيائي عنيف خارج التصورات العاطفية. تحضر هذه الرؤية في التجربتين معًا؛ عند بدر باعتبارها تحوّلًا جذريًا لا رجعة فيه، وعند منصور يتحول غياب الأمومة (موت الأم) إلى جرحٍ جميلٍ لا يشفى.
الجسد الذي يريد أن يكون آخر | الدمية والتقطيع
في لوحتها HER CLOTH WAS CUT FROM HEAVEN, SHE WISHED ME AND I WISHED TO BE HER, 2021 تصور عايدة بدر رغبة طفولية غريبة ومقلقة: أن يتقلص الجسد لكي يُناسب ملابس الدمية! وتتجاوز هذه الرغبة حدود اللعب البريء، لتلامس فكرة التشوّه الجسدي المتعمّد، ويُعاد فيها تشكيل الذات بما يتوافق مع معيار مفروض، حتى وإن كان هذا المعيار دمية بلاستيكية! كما أن الألوان الحالمة في اللوحة لا تخفف من قلق التكوين؛ إذ يظهر جسد الطفلة/الدمية في حالة من التبادل الهوياتي المخيف، وعلى نحو يتبدى فيه السؤال عن الأصل والنموذج والنسخة الراغبة في «الاحتواء» في أن تُحشر داخل ملابس الدمية. في اللوحة أيضًا استعارة واضحة للمعايير الجمالية المفروضة على الجسد الأنثوي منذ الطفولة. لكن ما يجعلها مقلقة هي الرغبة الداخلية، فهي ليست مفروضة من الخارج فقط ولكنها أيضًا مستبطنة عميقًا لتصبح رغبة الطفلة نفسها! جويس منصور تأخذ هذه الرغبة في التحول الجسدي إلى مستوى أكثر عنفًا. وتشير إليه بلغة صريحة في ديوانها الأول (صرخات، 1953) تكتب:

"بين أصابعك
فمي
بين أسنانك
عيناي
في أحشائي
إيقاعك الضاري
يقشر جسدي
المجبول من أحاسيس غضة…"
الرغبة في الاندماج عند منصور لا تمر عبر التقلص كما عند بدر، إنما عبر التقطيع. فكي تكون في الآخر، لا بد أولًا من تفكيكه وتقطيعه، ثم استيعابه داخل الجسد، وكأنها تلتهم الحبيب! إذًا، فكلتا الفنانتين ترفضان السلبية الأنثوية التقليدية؛ بدر تسعى إلى «الانكماش»، في حين تريد جويس أن تُقطع لتكون في الآخر. تظهر المرأة في الحالتين فاعلة جسديًا على نحوِ مخيف!
السريالية الشرقية | من الاستشراق إلى الذات الفاعلة
كانت السريالية الأوروبية التقليدية، كما مارسها أندريه بريتون وسلفادور دالي وغيرهما، مهووسة بالشرق الغرائبي. ففي مخيلتها، تحضر المرأة الشرقية موضوعًا للرغبة الاستشراقية: غامضة، سلبية، محجبة أو عارية وفق الحاجة، لكنها في كل الأحوال صامتة، منظورٌ إليها لا ناظرة. وجاءت جويس منصور، وهي امرأة مصرية داخل فضاء السريالية الباريسية، لتقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. وبدلًا من أن تُختزل في كونها موضوعًا للرغبة الشرقية، تحولت هي نفسها إلى ذات راغبة، عنيفة وصادمة، حتى إنها استدعت صورة المرأة الشرقية «الخطرة» كما رسخها الخيال الاستشراقي، لكنها امتلكتها وأعادت تفخيخها من الداخل:
"فتحت رأسك
لأطلع على نواياك
التهمت عينيك
لأتذوق نظرتك.
شربت دمك
لأتعرف على رغباتك
ومن جسدك المرتجف
صنعت غذائي..."
هذه ليست المرأة الشرقية التي تخيلها السرياليون الأوروبيون؛ إنها امرأة مشوهة وخطرة (تلتهم الأعين، وتشرب الدم)، إن جويس منصور تستحضر الصورة الاستشراقية لتدميرها ولتحويلها من موضوع سلبي إلى ذات فاعلة عنيفة! وتستدعي هذا التناقض في شعرها: «ومن جسدك المرتجف، صنعت غذائي» لتؤسس عبره سريالية مصرية تدمج الأضداد في كيان واحد، كما فعلت الآلهة المصرية القديمة، على عكس السريالية الأوروبية التي تفصل الحب عن العنف في ثنائية واضحة. بالمقابل، ترث عايدة بدر حساسيتها السريالية عبر التشوه المتعمد والألوان الصارخة، وتستدعي الإسكندرية في ذاكرتها من لحظة مبكرة من طفولتها، في سن السابعة داخل بيت الجد؛ لذلك تظهر الإسكندرية في ذاكرتها إسكندرية حُلمية - فضاءً سرياليًا خاصًا. وهنا يتجلى توطين للسريالية وإعادة صياغتها داخل سياق مصري غير استشراقي؛ فبينما ارتبطت السريالية التقليدية بباريس والمقاهي الفرنسية والفضاء الأوروبي، تنبني سريالية بدر من بيت الجد، وستائر الشيفون، وضفائر الشعر التي يصنعها الجد المحب، لتؤكد أنه ليس استشراقًا (مكرسًا للنظرة الأوروبية للشرق) إنما شرق ينظر إلى نفسه.
الهوية العابرة للحدود | الشتاتية
عاشت كلتا الفنانتين في موقع «بيني»، بين الشرق والغرب، وبين اللغة الأم واللغة المكتسبة، والذاكرة المحلية والحساسية العالمية. انتقلت جويس منصور إلى فرنسا، وعاشت في باريس، وكتبت بالفرنسية، مع بقاء موضوعاتها مرتبطة بالشرق والجسد الأنثوي كما صاغه الخيال الغربي. اختيارها للغة قد يكون تبنيًا للغة المستعمر، أو استراتيجية مقاومة، أو انعكاسًا لتعليمها وواقعها الطبقي، وربما اجتماعًا لكل ذلك. لم تكن منصور ضحية للغة فقط، فقد كانت أيضًا مستفيدة منها ومتلاعبة بها. أما عايدة بدر، المولودة في بروكلين والمستقرة في دبي، فهويتها نتيجة مباشرة للعولمة ما بعد الكولونيالية أو الشتاتية، -كعناوين لوحاتها الإنجليزية رغم أن موضوعاتها عن طفولة مصرية في الإسكندرية- هذا الانشطار اللغوي مشابه لمنصور، فالمحتوى «مصري» لكن الوسيط واللغة عالميان. ومدينة دبي، حيث تعمل بدر، ليست مستعمرة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها فضاء نيوليبرالي عابر للقوميات. هي عربية في دبي، موقع ما بعد-ما، لا هي في الشرق «الأصيل» ولا في بُعد الغرب «المستعمر» الكولونيالي، بل في فضاء ثالث هجين، عابر، سائل. كلتاهما إذن مصريتان عابرتان للحدود، لا تنتميان بالكامل للشرق ولا للغرب، وتعيدان تعريف «المصرية» بطريقة كوزموبوليتانية، سريالية، عابرة للحدود الثابتة.

إذًا، فإن ما يجمع بين عايدة بدر وجويس منصور هو هوية مشتركة، ورفض مشترك للسرديات السطحية التي تقدم الذاكرة أرشيفًا موثوقًا، والأمومة اكتمالًا رومانسيًا، والطفولة براءة، والجسد الأنثوي موضوعًا سلبيًا، والحب ضعفًا. فكلتاهما تقولان إن الذاكرة تكذب، وإن الأمومة تحول عنيف، وإن الطفولة موقع للألم، وإن الجسد ساحة معركة، وإن الحب استنزاف، وإن الرغبة فقدان. وهما تقولان ذلك بلغتين مختلفتين: واحدة بالألوان، وأخرى بالصور الشعرية التي تنبثق من اندماج الألوان في اللوحة قصائد.
إنهما تبدوان أكثر تعقيدًا من أي إطار نظري واحد. يمكن قراءتهما من منظور نسوي، أو ما بعد كولونيالي، أو سريالي، أو نفسي، أو تحليلي، لكن أي قراءة أحادية ستكون اختزالية. عملهما يقاوم التصنيف، كما تقاوم الذاكرة الثبات، وكما يقاوم الجسد الأنثوي التشييء، وكما تقاوم الرغبة الترويض. بعض الأعمال الفنية، خصوصًا تلك التي تتعامل مع الذاكرة والجسد والرغبة، تحتاج أن تبقى مفتوحة، وقلقة، وغير محسومة. إن ما يُقال أقل أهمية مما لا يُقال، وما لا يُقال هو أن الجسد الأنثوي يتكلم، أخيرًا، بصوته الخاص.
المصادر:
* برنار نويل، كتاب ماغريت: دراسة نقدية لأعمال الفنان البلجيكي ماغريت، ترجمة راوية صادق، دار شرقيات للنشر والتوزيع.
* جويس منصور، إفتح أبواب الليل (مختارات شعرية)، ترجمة بشير السباعي، منشورات الجمل.
* محسن البلاسي، جويس منصور: طفلة مسك الروم، دار صفصافة.
* عايدة بدر، أعمال فنية وحساب شخصي: https://www.instagram.com/aidhabadr




