top of page

صديقتي المذهلة: سيرة حياة مُهدَرة

  • Writer: ملاك الراشد
    ملاك الراشد
  • a few seconds ago
  • 5 min read

لم يكن صيفًا عاديًا هذا الذي قادني إلى الرباعية النابوليتانية، لا أتذكر من أشار عليّ بها ولا يوم قراءتي الأول. جل ما أتذكره هو استلقاءاتي الطويلة على الكنبة الرمادية وأنا أقرأها. كان حجم الكتاب مُرعبًا، لا سيما أنها رواية حديثة، وهي بين يديّ تكاد تسقط وأنا أتساءل: أتستحق هذه القصة وقتي؟ أيمكن لرواية حديثة بحجم الحرب والسلم والزمن المفقود أن تُقرأ بجدية مماثلة؟ ولأننا لا ننفك باستحضار الكلاسيكيات عند الحديث عن القراءات الجادة، فإيلينا فرانتي، بالمقابل، تستدعيها أيضًا؛ ففي حي نابولي الصناعي، حيث تقطن الفتاتان إيلينا وليلا، تُفتن الاثنتان برواية «نساء صغيرات» وتحفظان بعض مقاطعها عن ظهر غيب، وتحلمان بأن تكونا مثل جو مارش؛ كاتبتين تهربان من الفقر عبر الكتابة. وهكذا ترسم فرانتي أولى ثيماتها: النساء الفقيرات لا يكتبن، بل يُقهرن ليس إلا.



في أول لقاء لهن - تتحدى ليلا إيلينا أن ترمي بدميتها تحت منزل الدون أخيل
في أول لقاء لهن - تتحدى ليلا إيلينا أن تتخلى عن دميتها وتُلقيها في قبو منزل الدون أخيل

صداقات الإناث

تعيش إيلينا وليلا في ضاحية صناعية فقيرة بنابولي في الخمسينات. كلتاهما متّقدتا الذكاء. ليلا تمتلك حدسًا يقظًا وذاكرة فولاذية، ولإيلينا ذكاء أقل حدة؛ موجَّه ومنظَّم، ذكاء تكريسي يخطو بخطوات واضحة. الأولى ذكية رغمًا عنها، والثانية بتخطيط وتصميم. وفي حين أن الاثنتين تعيشان مع عائلات فقيرة وقاسية، تحظى لينو بعائلة أقل قسوة؛ إذ يقبل والداها، على مضض، باستمرارها في الدراسة، وتُمنع ليلا منها، فتحاول (ليلا) بدورها أن تجد شيئًا لتمارس ذكاءها فيه، لتتجه مع أخيها وأبيها الإسكافيين في تصميم الأحذية لمحلهما. القرار الذي كاد يجعل من عائلتها أغنى لو أنها استمرت ولم تنفر منه فجأة بعدما تتزوج من ستيفانو، الذي سعى بدايةً إلى الاستثمار في تصاميمها وبالزواج بها، ليظهر لاحقًا بأنه لم يكن سوى ذكر آخر يشبه أبناء الحي؛ قمعي وفاسد، وجلّ ما أراده هو تحويل رأس ليلا إلى رأس مال!



صديقتي المذهلة
إيلينا وليلا
تسلم ليلا حلمها إلى إيلينا قائلة لها: ”أنتِ صديقتي المذهلة“

تفي إيلينا بوعدها بالعيش الرغيد لصديقتها، وتقضي عُمرها في الدراسة لتتسلق تدريجيًا السلم الاجتماعي وتعيش في ميلان، في حين تبقى ليلا في ضاحية نابولي الرمادية متعثرة بوالديها أولًا، ثم بزوجها، ولاحقًا بأطفالها. تمثل ليلا في القصة دراسة حالة للنساء اللواتي لم يحالفهن الحظ، وتُدرس شخصيتها عن كثب عبر وجهة نظر إيلينا، التي تحبها أحيانًا وتشعر برغبة غريبة في سحقها أحيانًا أكثر. فمنذ البداية، تتنافس الاثنتان على الطمث والدراسة والفتيان. تُشفق إيلينا على ليلا حين ترى والدها يقذفها خارج النافذة بعدما صرخت عليه لتُكمل دراستها، وبعدما يضربها زوجها في ليلتهما الأولى، ولا تلبث أن تكرهها كُلما تجرحها وتفرغ غلها عليها، وتذكرها بأن تفوّقها لم يُعقه سوى الحظ. وهكذا، بين مشاعر شبقية وحسد مضطرب، تتأرجح مشاعر إيلينا تجاه ليلا كاشفةً تعقيدات صداقات الإناث، إذ ترى كل واحدة منهن نفسها في انعكاس الأخرى، ما يجعل عامل العداوة الغريب بين الصديقتين أمرًا حسيًا وداخليًا؛ فبإمكان ليلا هنا أن تلج نفسها داخل إيلينا إلى حد استبطان الأخرى لهذا الحضور وإعادة إنتاج نفسها من خلاله. وبسرد طويل، ومتراخ أحيانًا، تمتزج ذوات الاثنتين لتكوّنا الشكل المنشود لصداقات الإناث: هو مزيج أقرب إلى العداوة منه إلى شكل الصداقة.


إن ماهية ليلا غامضة، فهي عبقرية مراتٍ، ومراتٍ ماكرة خبيثة. تتشكل صورة ليلا، على امتداد السرد، عبر منظور إيلينا وحده، ما يجعلها عصيةً على القبض، فهي لا تظهر إلا انعكاسًا في وعي "الأخرى". ومع ذلك، تكاد لا تغيب عن مركز النص، بل تهيمن عليه وتحرك مسار الحيوات بداخله وديناميكية الأشياء. هنا يتزعزع صوت السارد، فمن يكتب من؟ أهي إيلينا، شاهدة سيرة حياة مُهدَرة؟ أم ليلا، المحرك الخفي الذي سيّر حياة الأخرى؟


تحرير الجسد

تتجاوز القصة مفهوم الصداقة لتنتقل من الذوات إلى الحي الصناعي الذي تقطنه الاثنتان؛ يسود عالمهن المناخ الأبوي، وسرعان ما تتضح ديناميكية السُلطة في المدينة، حيث يهيمن المجرمون الأغنياء (عائلة آل سولار) على حياة الفقراء، ومن ثم يسيطر الرجال -بأنواعهم- على حياة النساء اللواتي يقعن في قاع الهرم الاجتماعي. يقف الرجال بثقلهم على أكتاف النساء، لتصبح محاولة فك هذا القيد من أقوى التحديات، حتى أن ليلا لا تقرر الزواج لاحقًا بمن تُحب لأن تلك المفاهيم "الزواج، والأبوة، والعائلة" قد اختلت عندها فباتت لا تريد أي قيد. تُسمي ليلا هذه القيود بالهوامش، وتنتابها أحيانًا لحظات شبيهة بالنوبات، يُخيل لها فيها أنها ترى أماكن مُنحلة تمامًا منها، تجربة تشبه التغلغل بثغرات الزمن، تدعو ليلا هذا الشعور بـ«انحلال الهوامش». وإنما تتجلى هذه التجربة في وعيها عميقًا لدرجة أنها تشعر بنفسها تتقاطع مع الأشياء، وتنحل هي الأخرى مع الفوضى الكامنة. تختبر ليلا في هذه النوبات رؤية متفردة للعالم، رؤية ترى فيها كيف تتحرر من القيود، وكيف يمكن لقواعد الحياة التقليدية أن تنهار، دون أن تترك أثرًا مباشرًا لإرادتها. لا شيء سوى شعورها بالتمدد والانفلات.


صديقتي المذهلة
إيلينا وليلا
بسبب ذكائها الحاد وأطباعها لا يستطيع نينو مُجاراة ليلا في الحُب

بالمقابل، تُحاصر إيلينا قيود أخرى مرتبطة بهوسها بأحدهم، نتيجة شخصيتها المترددة والخاضعة. تنجذب إلى الشخصيات القوية والتدميرية والمتجسدة في «نينو ساراتوري»، الشخصية النرجسية الأبرز في الأدب الحديث، الذي يحاول مثلهن تجاوز حيّهم الفقير، لكنه يستخدم طرقًا فاسدة، كأن يتشبث بالنساء من العوائل الرفيعة (مثل ناديا) ليدخل الأوساط الثقافية وذات الوجّاهة، ومن ثم يستخدم كلتا إيلينا وليلا كي تكتبا له وترشدانه. هو طفيلي من نوع غريب، يستنزف من حوله ويقتات على الآخرين، والأغرب من كل هذا، أنه جذاب! لأنه يجيد الحديث والتملق، فتغدو البنتان -إيلينا وليلا- مسحورتين به. لكن افتتان إيلينا به هو الأشد، فقد بدأ منذ صغرها وحتى منتصف العمر. هذا الهوس يأخذ إيلينا لارتكاب أبشع الحماقات ويُشتتها، حتى أنها في إحدى اللحظات تصرح بأن عشقها لنينو يفوق مشاعرها لابنتيها! مع نينو وحده، تستطيع إيلينا أن تكون على سجيتها؛ أن تتحدث بلهجتها النابولية دون حرج، وأن تُحاور أحدًا في قضايا المرأة، والسياسة، وتواطؤ الأغنياء، واضطهاد الفقراء، ومستقبل إيطاليا. إلا أن نينو يعجز، بالمقابل، عن منح شيء من ذاته؛ فحين لا يكتب كما تكتب هي، يقرر إيقاف نشر مقالاتها، وحين يعجز عن مجاراة المكانة الاجتماعية لبيترو - زوج إيلينا الأول - يختار هدم منزلهم سبيلًا. هكذا، يتعامل الثلاثة مع تحرير أجسادهم بطرائق متفاوتة: ليلا عبر التخيل، وإيلينا بالتقليد وتتبع الآخرين، ونينو بالاستيلاء والتدمير!


غير الفقر وعنف الرجال، يأتي الحي كائنًا موجودًا يتقاطع مع الشخصيات كما لو كان واحدًا منها؛ يتنفس، ويؤذي، ويجذب، ويفكك. فلما تهرب إيلينا وليلا للمرة الأولى لتشاهدان البحر، تكاد لا تتحرك ليلا عن مكانها، لكأن لديها حاجة مُستميتة للبقاء والحفاظ على واقعها المألوف. لقد خلق الحي ليلا، لأن عبقريتها ودوافعها تشكلت عبر هذا المكان المنعزل الغريب. في حين تعود إيلينا لحيّهم تاركةً ميلان لسبب لا تدركه حتى هي. هكذا تقدم إيلينا فرانتي شخصيات شديدة التعقيد لها طبقات من التناقض والدوافع.


انحلال الهوامش

كثيرًا ما تتكشف الشخصيات في ”النظرة“، ذلك لأن القِصة تُسرد من وجهة نظر إيلينا فقط، التي تتذبذب رغم زعمها أن ما تكتبه هو توثيق لسيرة حياة صديقتها، ولهذهِ النظرة في القِصة أثر لا يُستهان به؛ فحين ترى إيلينا ليلا تُقذف من النافذة وتخجل الثانية من منظرها على الأرض وصوت أبيها الذي لم ينفك يصرخ، لتؤكد لصديقتها أنها بخير، تُحبس ليلا هُنا بداخل هذا المشهد المُخجل للأبد. على غرار المشهد نفسه، تضطر ليلا لأن تستودع إيلينا سريرتها ودفترها الخاص لإيلينا، لتقرأهُ الأخيرة سرًا قبل أن تُلقيه بعيدًا. هكذا، تكون ليلا -دومًا- رهينةً لنظرة إيلينا، حيث أن حضور إيلينا لا يُفارق كونه تعديًا على ذات ليلا الداخلية من الأساس.


صديقتي المذهلة
إيلينا وليلا
دمية ليلا مُتسخة ومهترئة، في حين تبدو دمية إيلينا وكأنها جديدة

وهذا يُفسر عجز إيلينا عن النظر إلى حياة ليلا من مسافة أو بحياد، فمع أن حياتها كانت مأساوية في كل مراحلها تقريبًا؛ إلا أن إيلينا ببساطة لا تستطيع التفكير بليلا إلا عبر الرابط المُعقد الذي يجمعهما، فحتى حين تختفي ليلا في النهاية وتُرسل لها الدميتين اللتين بدأت قصة صداقتهما بهما، وظنت أنهما مفقودتان، تغتاظ إيلينا وتقرر الكتابة عنها، مدركةً أن هذا هو الشيء الوحيد الذي سيؤذيها، وكأن لسان حالها يقول: "أنتِ من أخذتِ الدُمى، وأنتِ من اختفت بلا مبرر، إلا أنني أنا من سيرويك، وسأقبض عليكِ مرة أخرى بداخل الهوامش!" لكن الحقيقة لا تتغير؛ فقد اختفت ليلا حقًا دون أن تترك أثرًا خلفها، في إشارة لذوبانها في الهوامش، واستحواذها -أخيرًا- على قصتها. هي حرة الآن، في مكان ما خارج "النظرة".




ورشة مخ.png
ورشة مخ.png
ورشة مخ.png

تابعنا:

  • انستغرام
  • يوتيوب
  • تويتر (أكس؟)
  • LinkedIn

نأتي إليكم من الرياض، المملكة العربية السعودية!

كُن على إطلاع

إذا وددت أن تصلك مقالاتنا وأخبار الكُتب والأفلام التي نعمل عليها، ما عليك سوى بتسجيل بريدك لتصلك نشرتنا:

شكرًا على تسجيلك

© 2024  ورشة مخ

bottom of page