كرة القدم: بين فطرة الرجل والعلوم العسكرية
- ضي الراشد

- 1 day ago
- 3 min read
لا أنسى أول مرة شرح لي فيها زوجي مفهوم التسلل في كرة القدم، وحتى اليوم لا أفهمه جيدًا. وكامرأة مثلي خاصة، لم تترعرع في منزل يهوى كرة القدم، فقد بدا ذلك العالم بعيدًا عني دائمًا، حتى إنني اخترت «الفريق الأزرق» لتشجيعه فحسب، ولئلا أكون لقمة سائغة للطالبة المتنمرة في مدرستي. كنت أعلم بالتأكيد بوجود عالم واسع يتمحور حول الأندية والمنتخبات، وأعرف أيضًا بعض أسماء المشاهير فيه، خصوصًا حين تتقاطع مع عوالم الأزياء والأفلام. كما كنت أدرك أنه عالم مزدحم بالدراما والنظريات والانقسامات والولاءات. ومع ذلك، لم يجذبني يومًا؛ بدا لي عالمًا رجوليًا خالصًا.
حتى أصبح الرجل رفيقي.
التحول التقني والعلوم البشرية
أتعاطف كثيرًا مع ما تبقى من الفنون والعلوم التي استهوت الإنسان، وشكلت واقعه، وصوّرت أحلامه، وأسهمت في تكوين فطرته عبر آلاف السنين. وأجد نفسي متمسكة بكل ما هو تقليدي، لما يوفره من ألفة، ولإيماني بأن ما صمد كل هذا الزمن، لن يختفي على حين غرة. ومع ذلك، لا أصل للتطرف الذي يرفض التطور؛ فهو واقع رغمًا عن أنوفنا. ولنكن واقعيين، فما نشهده اليوم هو تحول مثير للاهتمام حقًا، فالحضارة البشرية المعاصرة تواصل تجاوز حدودها الفيزيائية والفطرية، وتعيد رسم ما ظنناه يومًا ثابتًا أو نهائيًا.
اختفت أيضًا بعض المعارف التي قد لا تبدو ذات فائدة مباشرة في عصرنا، رغم أنها أسهمت طويلًا في تشكيل فطرة الإنسان وصورته عن نفسه. فالرجل، حتى وقت ليس ببعيد، انشغل بالتوفير والحماية؛ وهما مهمتان اقتضتا السعي إلى الهيمنة والسيادة للبقاء. ومن هذا السعي نشأت فنون القيادة والخطابة والعلوم العسكرية. لكن أين آلت هذه الفنون اليوم؟ فقد تحولت الحرب إلى جرائم تستدعي فنون الإغواء والتلاعب، لتتلون باسم "السياسة"، ولم تعد مصدرًا يستمد منه الرجل المجد والقدوات؛ فأين يستمد الرجل اليوم ثقته بنفسه وكيف يرسم غايته؟

الرجل والحرب قصة حب لا تنتهي. حتى إن «بليدنا» في مسلسل Fleabag تذهب إلى حد القول إن الرجال اخترعوا الحروب أصلًا ليشعروا بالحياة والغاية والقيمة، في سياق مقارنة بين ما تراه طبيعة الرجل وطبيعة المرأة:
And then they create wars so they can feel things and touch each other, and when there aren’t any wars, they can play rugby.
لا يزال هذا الاقتباس عالقًا في ذهني كلما رأيت رفيقي — العاقل جدًا — يصرخ نحو تلفاز لا يسمعه، وكلما رأيت على الشاشة رجالًا يتمتعون بلياقة بدنية تكاد تبدو غير مألوفة في يومنا هذا، وتقنيات معقدة لتحديد ما إذا كانت مؤخرة أحد اللاعبين قد تجاوزت الخط الفاصل ببضعة سنتيمترات لإثبات حالة تسلل، والمدرب يخطط وكأنه بات قريبًا من تدمير حصن القسطنطينية بعد 22 عامًا من المحاولة.
العلوم العسكرية العصرية!
لم تمضِ الأيام طويلًا حتى تسللت كرة القدم إلى خوارزمية هاتفي، وبدأت أرى أكثر مما يحصل في الملاعب. لن أخوض في التماثل الواضح جدًا بين العلوم العسكرية وطريقة لعب كرة القدم من الهجوم والدفاع والتوزيع الاستراتيجي للاعبين، وحتى الاصطفاف قبيل اللعب؛ بل الملفت أكثر من كل ذلك كيف أن فن الخطابة والتلاعب بلغة الجسد لإحباط العدو - الفريق المنافس - تسلل إلى هذه اللعبة أيضًا. يأتي موضوع التمثيل العسكري في الفخر أيضًا، إذ تحتفي المنتخبات الدولية بأفضل لاعبيها في كأس العالم، وتمثيلهم بأكثر الطرق اعتزازًا وتقليدية، كما فعلت دولة النرويج بتمثيل فريقها بطريقة الفايكنغ التقليدية.

وكما كانت الشعوب سابقًا تودع جنودها في الحرب بالأناشيد والتعاويذ، ابتكرت بعض الدول اللاتينية طريقة فريدة من نوعها، وهي غسل طائرة المنتخب بالماء المقدّس قبل سفرها إلى الدولة المستضيفة! حان الوقت، إنه وقت الرجل ليقود، وليفخر، وليعتز!
في وقت تبدو فيه المبادئ مزدوجة، والرجولة والأنوثة غير واضحتين كما كانتا في السابق؛ يأتي اختراع كـ«كرة القدم» لموازنة هذه الفوضى، والإبقاء على بعض من الإنسانية واحترام الاختلاف في الكوكب. حل مسالم للإبقاء على الفطرة كما عهدها البشر منذ آلاف السنين، وما قد يبدو كإضاعة للوقت وتعصب مفرط لـ«كينونة مختلقة» لبعض المشاهدين، فهو الأمل الباقي لمن أحبطته «الكينونات الحقيقية». جمهور يجتمع لغاية ومبدأ وإيمان بأن ما يطمحون له ممكن. كرة القدم، طريقة مسالمة لأن تستمر الحرب…




