صورة العائلة في القصص المصورة للأطفال
- شذى محمد

- 1 day ago
- 7 min read
Updated: 8 hours ago
تشدّ صور كتب الأطفال انتباه الطفل عادةً، وتُبهره بألوانها وشخصيّاتها، في حين قد تكشف للبالغين دلالات ورموزًا تساعد في فهم القصص أكثر. وفي أدب الطفل ما بعد الحداثي، لم تعد القصّة مقتصرة على الكلمات؛ إذ أسهمت هذه المرحلة في أن يؤدي كلّ عنصر من الكتاب الورقي غرضًا لخدمة المعنى، من الصورة إلى نوع الخط المُستخدم في الكتابة. كما امتد تأثير هذه الفترة إلى إعادة النظر في مفاهيم ظلّت راسخة فترة طويلة، من بينها مفهوم العائلة فقد أكد التصور التقليدي في كثير من الأعمال على طاعة الأكبر سنًا تشجيعًا للأطفال على اكتساب هذه القيمة. غير أن هذا التصور لم يبقَ ثابتًا بطبيعة الحال، وطرأت عليه تغيُّرات يمكن ملاحظتها في قصّتين مصوّرتين للأطفال من حقبتين زمنيّتين مختلفتين: «حكاية الأرنب بيتر» لبياترِكس بوتر، و«أصوات في الحديقة» لأنتوني براون.
حيوانات أم بشر؟
تتشابه القصتان، على اختلاف العامل الزمني بينهما، ويبرز أول أوجه هذا التشابه في كون الشخصيات الرئيسة حيوانات تتّسم بصفات بشريّة: ففي «حكاية الأرنب بيتر» تُمثل الأرانب عائلة واحدة، في حين تُجسّد الغوريلات في «أصوات في الحديقة» عائلتين. ويكثر أسلوب إضفاء الصفات البشريّة على الحيوانات في أدب الأطفال؛ لما يُتيحه من سخرية غير مُباشرة، ومن مناقشة أمور حسّاسة مثل العرقية والطبقات الاجتماعية. كما يسهم هذا الأسلوب في خلق شخصيات ساحرة تُمكّن الطفل من الانتماء لها بسهولة؛ لتفاديها أيّ إشارة مُباشرة لعِرق أو جنس. كي يحقق ذلك، رَسم براون غوريلات فاتحة وداكنة، إذ تمتلك إحدى شخصيّات قصته «والد سْمَدْج» وجهًا داكنًا وأيدي فاتحة، وبذلك أتاح لقرائه، على اختلاف خلفياتهم، الانتماء إلى العائلات في قِصته.

بين احترام تعاليم المجتمع والفردانيّة: الأرنب بيتر
في «حكاية الأرنب بيتر»، تُعد السيدة رابِت أطفالها فلوبسي وموبسي وكوتن تيل وبيتر للخروج في جولة إلى الحقول، محذرةً إياهم من الوقوع في المشكلات، وتحديدًا من الاقتراب من حديقة السيد ماكغريغور. ومع ذلك، يُخالف بيتر تعاليم والدته، فيتعدى على الحديقة، ويأكل ما لذّ وطاب منها. يفاجئه السيد ماكغريغور هناك ويطارده، فينجو بصعوبة ويعود خائفًا إلى المنزل، حيث تستقبله والدته وتقدم له شاي البابونج ليهدأ.
تتألّف الحكاية من عائلتين تقليديتين: الأولى عائلة الأرانب، المؤلّفة من السيدة «رابت» -الأرملة الحريصة- وبناتها المُطيعات وابنها الشقي، والثانية عائلة «ماكغريغور»، المؤلفة من السيد والسيدة ماكغريغور وطفلتهما. قد تبدو الحكاية في ظاهرها تقليدية في تناولها لدور العائلة، إذ تظهر السيدة رابت عطوفةً على أبنائها مثل أي أرملة تقليدية. ويتضح خوفها من أن يلقى أطفالها مصير والدهم نفسه، الذي لقي حتفه بعدما أُكل في فطيرة على مائدة العائلة البشرية! تُظهر الصورة أيضًا الرؤية التقليديّة للأدوار الجندريّة، فنرى وقوف البنات، بأرديتهنّ الحمراء، بالقرب من والدتهنّ، في حين يتلفت عنهم بيتر، بردائه الأزرق، مشهد يُنذر بأنّ بيتر سيقع في مشكلة حتمًا.

استخدمت بوتر، الكاتبة، صيغة الغائب السردية في وصف الأحداث، وجعلت التبئير جزءًا من هذا البناء، أي ينتهج السارد نبرة تُحاكي سُلطة العائلة وتعكس تعاليم السيدة رابِت لأطفالها، إلى جانب عواقب إهمالها، فتُقدَّم فلوبسي وموبسي وكوتن تيل على أنها: «أرانب صغيرة مُطيعة»، وعند وصف بيتر، تقول: «بيتر الشقي...». كما تظهر السيدة ماكغريغور أيضًا في دور الأم التقليدي وهي تُقدّم فطيرة لعائلتها في إحدى الصفحات.
تبدأ هذه الصورة التقليدية للعائلة بالتغيُّر قليلًا عند التمعُّن في الأحداث أكثر، ويبدأ بيتر بإثبات نفسه بعدما تحرر من سلطة والدته التي يظهر رمزها في العديد من المواضع، سواءً عبر مقاومته تزرير ردائه مثلًا، وتركه لمنزل العائلة الآمن إلى الحديقة الخطِرة، واقتحامه ممتلكات عائلة أخرى ثرية. وبهذا الفعل، يُدمّر بيتر الحاجز بين عالم الحيوان والإنسان، ويخترق نظام الطبقات الاجتماعيّة في الوقت نفسه! الأمر الذي جعل السيد ماكغريغور يُخيفه ويطارده مُناديًا إياه: «توقف أيها اللص!». وفي النهاية، يُصاب بيتر بألم في بطنه، غير أنّ محبّة والدته له لم تتأثّر بعصيانه أوامرها، وتهدّئه بتقديم شاي البابونج على العشاء!
بذلك يؤكد كل من نص الحكاية وصورها أن موقف بياترِكس بوتر تجاه فكرة العائلة غامض إلى حد ما. فمن جهة، يُمكن قراءة الحكاية على أنها درس أخلاقي موجّه للأطفال يُحذّرهم من العواقب الوخيمة لتجاوز تعليمات الوالدين، ومن جهة أخرى، تُفهم على أنها إشارة وتشجيع على فردانيّة الطفل، واستكشافه محيطًا يتجاوز الحدود التي خطّها والداه له، لا سيما أن عقاب بيتر في النهاية لا يتعدّى كوبًا من شاي البابونج!
تبادل الأدوار: قسوة الأم وعطف الأب
نتقدُّم بالزمن قليلًا مع حكاية «أصوات في الحديقة»، حيث ترافق والدة تشارلز ابنها، ويرافق والد سمدج ابنته إلى الحديقة. يلعب كلٌّ من تشارلز وسمدج معًا لبعض الوقت، إلى أن تُنادي والدة تشارلز على ابنها، وتطلب منه الابتعاد عن سمدج، وألّا يلعب مع العامة. وفي النهاية تعود العائلة الثرية من الحديقة بشعورٍ سلبي، على عكس سمدج ووالدها. يكمن الاختلاف الأول والأبرز بين القصتين في السرد ذاته؛ إذ اختار براون سرد حكايته من وجهة نظر الشخصيّات كلها، واعتمد السرد غير الخطي. ويعدّ ذلك ضمن تجارب ما بعد الحداثة في قصص الأطفال المصورة، فيُسمح للطفل والبالغ على حدٍّ سواء بالتفاعل مع النص، عبر دمج قطع القصة المنثورة في قصّة واحدة متكاملة، ممّا يسمح بالوصول إلى فهم أعمق للحكاية ومشاعر الشخصيات.
وعلى عكس «حكاية الأرنب بيتر»، العائلات في هذه القصة غير اعتيادية، فوالدة تشارلز غير عطوفة أبدًا على ابنها، وتقول: «حان وقت أخذ كلبتنا ڤكتوريا وتشارلز ابننا لنتمشى». بتقديم اسم ڤيكتوريا أولًا، يظهر أن حاجة كلبتها الأليفة ڤيكتوريا للتسلية مُقدّمة على احتياجات ابنها تشارلز! حتّى أن القسوة واضحة في خطابها له: «تعال هنا تشارلز! حالًا!» مُقارنة بخطابها لڤكتوريا: «فضلًا، تعالي هنا ڤكتوريا». تُظهر الرسومات عاطفتها الجافة تجاه ابنها أيضًا عبر هيمنة ألوان الخريف على جو الأحداث التي تجمعهما، بالإضافة إلى الأشجار المُشتعلة نارًا وتعابيرهما الكئيبة. عائلتهم غير سعيدة، مع أنهم أثرياء وذوي طبقة اجتماعيّة رفيعة، وقد يُفسر غياب الأب العبء الذي تتحمّله والدة تشارلز نتيجة اضطرارها إلى تربية ابنها وحدها.
بالانتقال إلى الأحداث التي تركز على تشارلز، يتّضح أنه يهاب سُلطة والدته، ويظهر هذا أولًا باستخدام خط رفيع في كتابة قصّته، دلالة على ضعفه أمامها. وثانيًا، في الصور الأولى ذات الإطار، الذي يرمز إلى سلطة والدته التي تحدّه. وثالثًا، عبر ظلها الذي يغطيه تمامًا، بالإضافة إلى الغيمات والأشجار وأعمدة الإنارة المرسومة على شكل قبعتها. تشارلز ليس ولدًا غنيًا سعيدًا؛ فعالمه ملبّد بالغيوم ويوحي بالكآبة، مُقارنةً بعالم سمدج. لكن تساعده سمدج على التحرّر من سلطة والدته حين يلعبان سوية، إلى درجة خروجهما من حدود الصورة وصولًا إلى المساحات البيضاء أسفل صفحات الكتاب، متحرّرين بذلك من سلطة إطار صور كتب الأطفال أيضًا. وعلى الرغم من التماسه ربيع اللعب خلال هذه اللحظات، يعود تشارلز إلى جوّه الكئيب فور مُناداة والدته له للعودة إلى المنزل، وإلى إطار سلطتها مجددًا.
في الجانب الآخر، يتّسم والد سمدج بالحنان، ويتّضح اهتمامه بابنته في أكثر من موضع. وفي الوقت نفسه، تؤدّي سمدج دورًا أكبر، فهي تهتم بوالدها وتُبهج مزاجه، كما يقول: «سمدج أبهجتني بحديثها المرح معي طوال الطريق إلى المنزل»، أي أن ذكاءها العاطفي في تعاملها مع والدها يغطي غياب والدتها. ينتمي والدها إلى الطبقة العاملة، ويحاول إيجاد وظيفة. وبعكس رداء والدة تشارلز ومظهر الحديقة النظيف حولها، يجلس هو بملابس رثّة على الجانب المتّسخ من مقعد الحديقة. وحتى مع فقرِهم، تعود هذه العائلة إلى المنزل سعيدة وراضية، بخلاف عائلة تشارلز.

تشابه واختلاف
بطبيعة الحال، طرأت تغيُّرات على أحوال العائلة مع مرور الوقت، وذلك نتيجة عوامل متعددة، مثل ازدياد معدّلات الطلاق ودخول المرأة إلى سوق العمل. غير أن التصوّر المثالي عن العائلة لا يزال قائمًا إلى يومنا هذا، وهذا ما يجعلنا نميل إلى سلوك السيدة رابت المُحبّ تجاه أبنائها، وننفر في المقابل من والدة تشارلز.
تتشابه الحكايتان في تناول طرق تعامل الأهل مع الأطفال. فمن جانب، نلمس عطف السيدة رابِت وعطف والد سمدج. ومن جانب آخر، يظهر انعدام هذه العاطفة في قول السيد ماكغريغور لبيتر الصغير: «توقّف أيّها اللص!»، وفي وصف والدة تشارلز لسمدج الطفلة بأنها: «فتاة فظّة المظهر». وتوحي كلتا العبارتين بوجود كسر للنظام الاجتماعي، لذا تسعى الشخصيتين إلى إعادة هذا النظام. فيطارد السيد ماكغريغور بيتر كي يخرج من حديقته، وتُبعد والدة تشارلز ابنها عن من تصفهم بأنهم: «أصناف البشر المخيفة». كما تُقيد كلًا من السيدة رابِت ووالدة تشارلز حريّة أطفالهما عبر القوانين، فيظلّ تشارلز خاضعًا لسيطرة والدته، مثل بنات السيّدة رابِت تمامًا، في حين يلعب كلٌّ من بيتر وسمدج بحرية، غير مقيّدين بقيود اجتماعيّة.
ولأنّ القصص المصورة تعكس الأعراف والقيم والاعتقادات المجتمعيّة المتغيرة من زمن إلى آخر، نلمس اختلافات جوهرية بين الحكايتين. ففي الماضي، صُوّرت العائلة على أنها مصدر الحب الوحيد في حياة الطفل، إلى أن بدأ الأطفال يكتشفون أن الصداقة مهمّة مثل أهمية العائلة في حياتهم، وهذا ما يظهر في حكاية تشارلز. وفي حين قدمت حكاية بوتر أدوارًا جندريّة تقليدية، تجسّدت في بيتر الشقيّ وأخواته المُطيعات، يعكس براون هذه الأدوار في حكايته، فتشارلز هو الصبيّ الهادئ الخجول، وسمدج هي الفتاة الودودة الجريئة. كما يعبّر والد سمدج عن حبّه ورعايته، بعكس والدة تشارلز. كما يُقدّم بيت العائلة بصورتين مختلفتين أيضًا: إمّا للجوء إليه، أو الهرب منه. ففي التصور التقليدي، يظهر البيت ملجأً في عودة بيتر إليه وشعوره بالسلام حينها، بينما يفقد تشارلز سعادته المؤقّتة الناتجة عن اللعب والصداقة بمجرد عودته إلى بيته.
ستستمرّ قصص الأطفال المصوّرة -وأدب الأطفال عمومًا- بالتغيّر تبعًا لتغيّر الثقافة وتطوّرها. وكون القصّة تعود إلى أواخر العصر الفكتوري، تقدّم «حكاية الأرنب بيتر» عائلات مثاليّة في عالمي الإنسان والحيوان، وتجعل القارئ يركّز على علاقة الأم العطوفة بابنها الشقيّ. وعلى الطرف الآخر، تبيّن «أصوات في الحديقة» اختلاف مفهوم العائلات في عالم ما بعد حداثي، وتُصوَّر العائلة إمّا عبر أطفال مقيّدين بقوانين الأهل، أو أطفال اجتماعيُّين ينشرون البهجة في عالمهم وعالم أهلهم. تُظهر هذه التحليلات أن فهم الحكايتين لا يكتمل إلا بقراءة متزامنة للصورة والكلمات.
المراجع:
Alston, A., (2008). The family in English children’s literature. New York: Routledge.
Bishop, R.S., (2012). Reflections on the Development of African American Children’s Literature. Journal of Children’s Literature, 38(2), pp.11.
Browne, A., (1998). Voices in the Park. 2nd ed. London: Picture Corgi Books.
Goldstone, B., (2008). Postmodern Experiences. In: Maybin, J and Watson, N (eds) Children's Literature Approaches and Territories. Milton Keynes: The Open University, pp.320, 322.
Hunt, P., (2009). Instruction and Delight. In: Maybin, J and Watson, N (eds) Children's Literature Approaches and Territories. Milton Keynes: The Open University, pp.25.
Mackey, M., (1998). Peter Rabbit: Potter's Story. In: Montgomery, H and Watson, N (eds) Children's Literature Classic Texts and Contemporary Trends. Milton Keynes: The Open University, pp.91-92, 95.
Markowsky, J. (1975). Why Anthropomorphism in Children's Literature? Elementary English, [Online] vol. 52, no. 4, p. 460. Available at: https://www.jstor.org/stable/41592646 [Accessed 9 March. 2020].
Moebius, W., (1986). Picturebook Codes. In: Maybin, J and Watson, N (eds) Children's Literature Approaches and Territories. Milton Keynes: The Open University, pp.311-312.
Mullins, K., (2009). Crossing Boundaries and Forming Identity in Beatrix Potter’s The Tale of Peter Rabbit and The Tale of Benjamin Bunny. The Looking Glass: New Perspectives on Children's Literature, 13(1).
Potter, B., (2002). The Tale of Peter Rabbit. London: Frederick Warne.
Scott, C., (2002). Perspective and Point of View in The Tale of Peter Rabbit. In: Montgomery, H and Watson, N (eds) Children's Literature Classic Texts and Contemporary Trends. Milton Keynes: The Open University, pp.103, 106.




