ًمعنى أن تكون كاتبا

بدأت رحلتي في إكتشاف عالم الكتابة عندما كنت أكتب مذكراتي بشكل شبه يومي، كنت حينها أكتبها بلهجة عامية مُحدثة فيها نفسي وجمهوري الذي لا أعرفه وأظن بأنه يقرأ لي. وأنا الآن مازلت أكتب يومياتي متمنية أن لا يقرئها أحد؛ فقد اختلف الأمر بشكل طفيف عن السابق، حيث كُنت أكتب في مذكراتي كل شي يحدث معي خلال يومي دون هدف. أما الآن فأنا أكتب فقط عن الأيام المختلفة التي تسعدني بحق، وعن شدة الألم في بعضها، وأحيانًا أكتب لنفسي رسائل تحفيزية كي أظل مؤمنة بأنني لن أضيع من نفسي. انتقلت من كتابة المذكرات اليومية لكتابة الخواطر والمقالات النقدية والعلمية التي أنشرها إما في دفاتري أو المدونة أو على صفحة المنتديات .وصولًا إلى التغريدات والمنشورات الإعلانية. هذا التطور، أو ما أُسميه بـ (حالة النمو الكتابي)، يُعبر عن مراحل الانتقال من كتابة البديهيات وما يحدث في يومي بهدف شخصي إلى نوع من الكتابة أكثر جدية يدخل ضمن نطاق الأهداف المجتمعية والتجارية بعيدًا عن التجربة الحسية المحدودة. هذا الإنتقال يجعلني لا أتوقف عن الدهشة من قدرة المشاعر والأفكار، وكل ما يحمله الإنسان من مكنونات عميقة، على أن تُترجم في حروف مكتوبة لتصبح بسحر اللغة نصًا مقروءًا، أو مرئياً، أو مسموعاً ويصل بذلك، لروح إنسان آخر مُكونًا بذلك ألف معناً جديد ومختلف. تأكدت بأن الكتابة هي أكثر الوسائل التي تساعدني للتعبير عن نفسي، بالرغم من أني لست متمرسة بما يكفي وأعتبر نفسي واحدة من أولئك الكُتاب الخجولين والمتكاسلين الذين يكتبون خفيةً ويعتمدون على طريقة واحدة في الكتابة، من دون أن اتجرأ على أن أخطو وأذهب إلى أماكن جديدة في الكتابة.


ولتعمقي مؤخراً في موضوع الكتابة طرأ علي بعض التساؤلات: ما هو تاريخ الكتابة؟ ما هي اللغة؟ وعلى أي أساس تتشكل الكلمات البلاغية؟ ما هو النص المتاح للنشر؟ وكيف أكتب نصًا صحيحًا؟ هل يجب أن أكتب لنفسي أم للآخرين؟

صورة لآلة كتابة عتيقة
صورة لآلة كتابة عتيقة

السؤال الأخير جعلني أوجه تفكيري نحو دوافع الكتابة لدي ولدى الآخرين. التفكير في الأسباب جعلني أصادق الكاتب عمر الرديني في قوله لي في حوارنا الأول الذي دام لساعات، حيث كان يستمر بذكر وجوب الكتابة للجميع وأن التشجيع عليها أهم بكثير من التشجيع على القراءة! من وجهة نظري، أرى أن الغاية من الكتابة يتمثل في كونها عملية للتفريغ والجمع، فنحن نقوم بسكب ما لدينا على الورق كمحاولة للتنفيس عن شعور ما أو للتعبير عن الأفكار أولتوثيق الأحداث من زاوية ما. وبعد ذلك، نحاول جمع المنثور مما كُتب وتحليله وإعادة فهمه لأهداف مختلفة. وأكاد أؤمن بأن كل البشر لديهم شيء واحد على الأقل يستيطعون التعبير عنه بالكتابة.

في هذه المقالة حاولت أن أقوم بعمل مراجعة لكتابين قمت بقراءتهم الفترة الماضية بينما كنت أغوص في محاولتي لفهم عالم الكتابة. ولأني متاكدة بأن هنالك الكثير من الكُتاب الخجولين والمتكاسلين أمثالي الذين يحتاجون للقليل من المعرفة حول التجارب الكتابية المختلفة لكي يتشجعوا لإتخاذ خطوات متقدمة في فهم هذا الفن، فأنا هُنا أقوم بمشاركة ماتعلمته آملةً أن تكون مقالتي هذهِ قد تكون إحدى العوامل المُساعدة لفهم فن الكتابة.


كتب مساعدة لمعرفة أسرار الكتابة:

 لماذا نكتب لميريديث ماران
لماذا نكتب لميريديث ماران

1 - لماذا نكتب لـ : ميريديث ماران.

يوضح هذا الكتاب أهمية الكتابة وكيف أن تعدد الأسباب يثبت مدى تأثيرها في نفس الكاتب أولًا والقارئين له ثانيًا. هذا الكتاب أعتبره جرعة محفزة للتمسك بالكتابة كأداة فنية للتعبيرعن الذات.

كتاب (لماذا نكتب؟) هو للكاتبة الأمريكية المعاصرة ميريديث ماران التي تبلغ من العمر ٦٩ عام.

تعمل ميريديث كمؤلفة وناقدة للكتب إضافة لعملها كصحافية، بدأت بكتابة كتابها الأول قبل بلوغها سن العشرين. ويعتبر هذا الكتاب من أشهر أعمالها. في كتاب (لماذا نكتب؟) ستجد عشرون كاتب وكاتبة يجيبون على أسئلة تخص الكتابة ويستهدف المحتوى الكُتاب، بجميع درجاتهم وخاصة المبتدئين، كما أنه لا يعفي المحترفين منهم من قراءته وطرح ذات الأسئلة على أنفسهم. الكتاب هو بمثابة لقاءات صحفية مدعومة بسير ذاتية مختصرة عن الُكتاب، وقد قام بترجمته للغة العربية فريق تطوعي تم إنشاؤه من قبل منصة تكوين للكتابة الإبداعية.






استعرت كتاب (لماذا نكتب؟) من المكتبة المنزلية التي تملكها خالتي أفنان وهو أحد الكتب التي كانت تتصدر قائمة الكتب التي أرغب بشرائها. ومن شدة تعلقي بالكتاب وإعجابي به، لم أقم باعادته لها بل قمت بشراء نسخة جديدة لها بدلًا من النسخة التي أعطتني إياها، لأنني كالعادة لم أمنع نفسي من الكتابة في هوامش أغلب الصفحات وتظليل الكثير من الإقتباسات.


تذكر الكاتبة قصة فضولها الكبير للبحث عن أجوبة لأهم الأسئلة حول الكتابة وعن الأسباب التي تدفع أي شخص لأن يكتب؛ متساءلةً لماذا يصبح بعض الناس جراحي أعصاب، منظفي أسنان، استثماريين، بينما يختار آخرون مهنة لا تعود لهم إلا بالفقر والرفض والشك الذاتي؟ وبعض أهم الأفكار التي تطرق لها الكتاب: يكون الكلام مكتوبا على لسان الكاتب، يليه أفكار عامة يتبناها الكاتب وأجوبه عن أسئلة جوهرية في الكتابة مثل: كيف أكتب؟ أفضل وقت للكتابة؟ لماذا قطع أدب المراهقات الطريق؟ الأعمال الأدبية المترجمة وكيف تؤثر على الإنطباع العام للعمل الذي تمت ترجمته؟ حبكة الكاتب ما هي وإلي ماذا تشير؟ آلية الانضباط في الكتابة؟ وهل يتعارض كلٌ من الفن والسياسة؟ وغيرها الكثير من الخبرات والأجوبة. الجميل في الكتاب أنه يحوي الكثير من القصص المشوقة حول الكُتاب، بعضهم يحكي بداياته والبعض الآخر يتحدث عن أسوأ وأفضل عمل قام بكتابته، والطقوس والعادات التي يتبعونها في الكتابة. كما يظهر في نهاية كل فصل أسلوب وعقلية الكاتب في إجابته على السؤال وتباين الخبرات ووجهات النظر الفنية في إلقاء النصائح والتي أعتبرها موجز رائع لمعرفة فكر الكاتب.

جواب الكاتبة ميغ واليترز عن سؤال "لماذا نكتب؟" كان مثيراً للإهتمام فهي تصف الكتابة بأنها الشيء الوحيد الذي تعرفه ويستطيع أن يحررها من القلق؛ فهي تكتب لكي تكشف عن طريقة وجودها في العالم ، وتقول أيضاً :

نوع معين من الكُتاب يكتب لكي يقابل أشباحه. أنا لست شجاعة إلى هذه الدرجة. إلى حد ما، أحتاج أن أكون مطعونة عندما أكتب. أنا لا أقرأ أو أكتب لأهرب، ما من مهرب. عندما أعمل، أريد أن أحقق نوعاً ما من التعديل، لكي أخلق من العالم المشوه عالماً مثيراً. أكتب لكي أشكل فكرة كنت من الأساس أُشكلها بالمطرقة في رأسي، لكي أكوّن منها شيئاً متماسكاً. إنه امتداد طبيعي لثرثرتي الداخلية، وحين يكون لدي ثرثرتي الداخلية بالإضافة إلى شعور بالالتزام، فهذا ينتج كتابًا.

ولولا أني أتفق مع الكاتبة بثينة العيسى في أن الكتاب مادة غنية يصعب إختيار بعض الاقتباسات منها، إلا أني اخترت عرض القليل من الاقتباسات التي أعجبتني:

"الحبسة هي نتيجة قرار خاطئ قمت باتخاذه ومهمتي هي العودة للوراء لرؤية ما إذا كنت قادرة على تحديد مفترق الطرق حيث مضيت نحو الاتجاه الخاطئ."
"هيكل الرواية هو شيء تكتشفه، وليس شيئا تركبه، لا تمسك لوحة المفاتيح لتصبح عبداً لخطتك في الكتابة."
"أن تعيش يعني أن تتقدم من الحماقة إلى الحكمة، إذا كنت محظوظا، ثم إن كتابة الرواية تعني أنك تنشر مراحل مختلفة من حماقتك"

وفي أغسطس 2019، وبعد الإنتهاء من قراءة كتاب (لماذا نكتب؟)، قررت بشكلٍ جاد أن أحاول تحسين مهاراتي الكتابية. فبدأت أنا وصديقتي رفاء بالتمرين الكتابي اليومي محاولين إعادة تعريف بعض المفاهيم والمصطلحات بشكل عشوائي لفهم ما تعنيه لنا الكلمات وكيف يمكننا أن نعبر عنها. فقمنا بوضع قائمة تتضمن بعض المصطلحات واخترنا كلمة واحدة لكل يوم لنكتب عنها، هذا التمرين البسيط جعلني أحاول البحث عن كتاب يساعدني أكثر في تطوير كتابتي الوصفية فوجدت الكثير من التوصيات التي تنصح بقراءة كتاب (الحقيقة والكتابة لبثينة العيسى).